فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 564

وإذا كان الفقهاء لم ينصُّوا نصًّا خاصًّا على ما إذا باع المورِّث لوارِثه شيئًا، واحتفظ لنفسه بمنافع المبيع مدى حياته، ولم يصرِّحوا بتحوُّل البيع في هذه الحال إلى وصية، فليس ذلك؛ لأن هذا التحول غير مقبول في قواعد الفقه الشرعي، بل لأن الناس في تلك العصور الفقهية لم يعتادوا مثل هذا الشرط الاحتيالي على الوصية ولم يدرج بينهم، فإذا حدث واعْتِيد فيما بعد، فليس له تخريج صحيح ينبثِق على قاعدة سدِّ الذرائع، وقاعدة القُصود في العقود؛ إلا هذا التخريج الذي يعطيه حكم الوصية، وإلا لأصبح الحكم الشرعي بعدم نفاذ الوصية للوارث لعبًا بالألفاظ. على أن فقهاء الشريعة قد نصُّوا على حالات يتحوّل فيه التصرف من موضوع إلى موضوع تبعًا لاستثناء المنافع مدةً دائمة أو موقوتة ممّا يؤيِّد ما قلنا من: أن الفرق كبير جدًّا بالنسبة إلى تكييف العقد بين أن تكون المدة التي يشترط فيها البائع المنافِع لنفسه مدة موقوتة أو مدى حياته، فقد نصّ الفقهاء في كتاب الوقف على أن الشّخص إذا أوصَى بمنافِعَ داره أو غلّة كَرْمِه بعد موته لفلان أو للمَساكينِ مدّة مُعيّنة؛ صحّ هذا التصرُّف على سبيل الوصية بالمنافع؛ فيرث الورثة العينَ وتُصرَف الغلّة أو المنافع للموصَى لهم، فإذا انقضت المدة الموصَى فيها بالمنفعة عادت المنافع تبعًا للعين إلى ورثة الموصِي.

أما إذا أوصى بهذه المنافع للمساكين أبدًا؛ فإن الوصية تنقلب وقفًا، ذلك لأن استحقاق المساكين للغلّة بصورة دائمة، ولو باسم الوصية هو في معنى الوقف المعلّق بالموت، فينفَّذ من ثلث التّركة، ويمتنع الإرثُ فيه (ينظر: فتح القدير للكمال بن الهمام على الهداية، ورد المحتار أيضًا أوائل كتاب الوقف، وكتاب أحكام الأوقاف لكاتب هذه الأسطر الجزء الأول فقرة / 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت