إن المُفتي الذي يوقِّع عن الله ـ عز وجل ـ ويقوم مقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تبليغ أحكام الشريعة، أو إنشاء أحكامها بحسب نظره واجتهاده، يجب أن تتوافَر فيه الأهليّة التي تؤهِّله لهذا المنصِب العظيم، والمقام الرّفيع.
ولبيان شرط الأهلية للفتوى ـ بإيجاز ـ يمكن أن أقسِّمَ الحديث عنها إلى: التأهل علمًا، والتأهل ديانة وصلاحًا.
أما التأهُّل علمًا: فلابد أن توجد في المفتي شروط الاجتهاد العام (23) ، بالتمكُّن في علوم الإسلام كافّة، والاطِّلاع الإجمالي على أحكام الكتاب العزيز، وكثير من السنة المُطهَّرة، ومسائل الإجماع، ودراسة مُوسَّعة لمصادر التشريع الأخرى: القياس، والاستحسان، والاستصحاب، و المصالح المُرسَلة، والاحتجاج بمذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، وسدِّ الذرائع، وأبواب علم الأصول الأخرى، ومعرفة ودُرْبة في علوم الحديث عامة.. إلى تمكن إجمالي من علوم العربية: اللغة، والنحو، والصرف، وعلوم البلاغة الثلاثة: (المعاني والبيان والبديع) إضافة إلى العلم بمقاصد الشريعة، ومعرفة الناس والحياة.
وقد أجمل ذلك الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ فيما رواه عنه الخطيب، بقوله:
"لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يُفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومَنسوخه، وبمُحكَمه ومتشابِهه، وتأويله وتنزيله، ومَكِّيِّه ومدنيِّه، وما أُريد به، وفيما أُنزِلَ، ثمَّ يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: بالناسخ والمنسوخ، ويعرِف من الحديث ما عرَف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشِّعر، وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل ـ مع هذا ـ الإنصاف، وقلة الكلام. ويكون بعد هذا مُشرِفًا على اختلاف أهل الأمصار. وتكون له قَريحة بعد هذا. فإذا كان هكذا فله أن يتكلَّم ويُفتيَ في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يتكلَّم في العلم ولا يُفتيَ" (24)