وعلى الجملة: فالمفتي مخبِرٌ عن الله تعالى كالنبي، ومُوقِّع للشَّريعة على أفعال بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخِلافة كالنبيِّ، ولذلك سمُّوا ـ يعني المُفتين ـ أولي الأمر"أ.هـ."
وعبَّر الإمام القرافي (17) ـ رحمه الله تعالى ـ عن المفتي بأنه:"ترجمان عن الله تعالى"، واعتبر الإمام ابن القيم المفتي موقِّعًا عن الله تعالى فيما يُفتي به، ورسم كتابه الشهير بـ"إعلام الموقعين عن رب العالمين". وقال في فاتحته (18) :"إذا كان منصِب عن المملوك بالمحلّ الذي لا يُنكَر فضلُه، ولا يُجهَل قدره، وهو من أعلى المراتب السنِيّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات"!!
وقد عرَف السلف رضي الله عنهم ـ للفتوى رفيعَ منزلتِها، وعظيمَ مكانتِها، فاستعظموا شأنَها، وتهيبوا أمرَها، وشعروا بعِظَم التَّبِعَة فيها.
بل كانوا يدرؤون الفُتيا عن أنفسهم ما استطاعوا، ويحاولون أن يتخلّصوا منها، ويُسندوها إلى غيرهم.
ومن ذلك ما رواه الإمام الدارمي في"السنن": باب من هاب الفُتيا، ونقل نصوصًا كثيرة" (19) "
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:"من تَكلّم في شيء من العلم وهو يظنُّ ألَّا يسأله الله عنه: كيف أفتيتَ في دين الله؟ فقد سَهُلت عليه نفسه ودينُه" (20) وانظر على سبيل المثال في"الفَقيه والمتفقِّه"للخطيب البغدادي، العناوين الآتية:"ما جاء لمن أفتى وليس هو من أهل الفتوى"، و"الزّجر عن التسرُّع في الفتوى مخافة الزَّلَل"و"ما جاء في الإحجام عن الجواب إذا خَفِيَ عن المسؤول وجْهُ الصواب" (21) ، ثم انظر"إعلام الموقِّعين"في"ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك" (22)
أهلية المفتي: