ثالثًا: أن الفقهاء الأوائل واجهوا أيضًا مشكلة خطيرةً في عصرهم، وهي الاختلاط والارتباط الوثيق، إذ ذاك في الماضي، بين العِرافة والتنجيم والكِهانة والسحر من جهة، وبين حساب النجوم (بمعنى علم الفلك) من جهة أخرى.
فيبدو أن كثيرًا من أهل حساب النجوم كانوا أيضًا يشتغلون بتلك الأمور الباطلة، التي نهت عنها الشريعة أشد النهي، فكان للقول باعتماد الحساب في الأهلة مفسدتان:
الأولى: أنه ظنيٌّ من باب الحدس والتخمين مبنيٌّ على طريقة التعديل التي بَيَّنا معناها، فلا يُعْقَل أن تُتركَ به الرؤية بالعين الباصرة رغم ما قد يعتريها من عوارضَ واشتباهات.
الثانية: وهي الأشَدُّ خطورة والأدْهَى ـ هي انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجِّمين والعَرّافين؛ الذين يحترفون الضَّحك على عقول الناس بأكاذيبهم، وتُرَّهاتهم، وشَعوذاتِهم.
وهذه المفسدة الثانية هي التفسير لهذا النَّكير الشديد؛ الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ على من يلجؤُون إلى الحساب، حساب النجوم في إهلال الأهلة بدلًا من الرؤية، واعتباره إياهم من الذين يتبعون غير سبيل المؤمنين، وذلك بدليل أنه صرّح باعتبارهم من قَبيل العَرّافين، والذين يربطون أحداث الأرض وطوالع الناس وحظوظَهم بحركات النجوم، وسُمُّوا من أجل ذلك بالمنجمين، وذكر شاهدًا على ذلك الحديث النبوي الآنف الذُّكر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"من اقتبس علمًا من النجوم فقد اقتبس شُعبةً من السحر".