فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 564

ثانيًا: أن الفقهاء الأوائل الذين نصُّوا على عدم جواز اعتماد الحساب في تحديد بداية الشهر القمري للصوم والإفطار، وسمَّوه حساب التسيير، قالوا: إنه قائم على قانون التعديل، وهو ظني مبني على الحدس والتَّخمين (كما نقلناه عن العلامة ابن حجر وابن بطال وابن بزيزة والنووي والسندي والعينى والقسطلاني) ، وكلهم قد بَنَوْا على حالة هذا الحساب الذي كان في زمنهم، حيث لم يكن في وقتهم علم الفلك (الذي كان يسمَّى علمَ الهيئة، وعلمَ النجوم، و علمَ التسيير أو التَّنجيم) قائمًا على رصد دقيق بوسائل محكمة؛ إذ لم تكن، آنذاكَ، المراصدُ المُجهَّزة بالمكبرات من العدسات الزجاجية العظيمة؛ التي تقرِّب الأبعاد الشاسعة إلى درجة يصعُب على العقل تصوُّرُها، والتي تتبع حركات الكواكب والنجوم، وتسجلها بأجزاءٍ من مئات أو آلاف الأجزاء من الثانية الواحدة، وتقارن بين دورتها بهذه الدقة؛ ولذا كانوا يسمونه علم التسيير الذي يقوم على قانون التعديل، حيث يأخذ المنجِّم الذي يحسب سير الكواكب عددًا من المواقيت السابقة، ويقوم بتعديلها بأخذ الوُسطَى منها، ويبني عليها حسابه (وهذا معنى قانون التعديل كما يُشعر به كلامُهم نفسه) .

من هنا كان حسابهم حدسيًّا وتخمينيًّا، كما وصفه أولئك الفقهاء الذين نفَوا جوازَ الاعتماد عليه، وإن كان بعضهم كالإمام النووي صرح بجواز اعتماد حسابهم لتحديد جهة القبلة ومواقيت الصلاة دون الصوم (مع أن الصلاة في حكم الإسلام أعظمُ خطورةً من الصوم بإجماع الفقهاء، وأشدُّ وجوبًا وتأكيدًا) .

وقد نقلنا آنفًا كلام ابن بطال بأن"لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عَيانًا أو كالعَيان.."وهذا ما يتسِم به ما وصل إليه علم الفلك في عصرنا هذا من الدقة المتناهيةِ الانضباط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت