الصنف الأول: قد يرد اللفظ القرآني فيعبر عنه كل واحد من السلف بعبارة غير عبارة صاحبه، وهذه العبارة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الذي تدل عليه عبارة الآخر، وهذان المعنيان موجودان في المسمى الواحد الذي يفسرانه. [1]
وبيان ذلك أن المسمى الواحد تجتمع فيه عدة معاني أو صفات ولا يعني ذلك تعدد ذواتها، بل الذات واحدة وليس هناك أي تعارض بين التعبير عن هذه الذات بمعنى أو بآخر طالما أن المعنيين متحققان فيها، ومثال ذلك يوم القيامة، فالمسمى واحد ولكن قد يُعبر عنه بمعان مختلفة كلها متحققة في هذا المسمى كقولنا: يوم الدين ويوم الحشر ويوم التغابن، فكل من هذه التعبيرات تدل على مسمى واحد ولكن ذكر معنى مختلف في الأول عن الثاني وفي الثاني عن الثالث، وهذا ليس اختلافًا حقيقًا كما سنقرر إن شاء الله.
وكذلك عندما نتأمل قوله تعالى:"ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" [2] ، فإن المدعو - وهو الله تعالى - مسمى واحد ولكن لما كانت أسماؤه الحسنى متعددة وكان لازم كل اسم من أسمائه أن يدل على الذات المسماة ويدل على الصفة المتضمنة، كان دعاء العبد ربه باسمه العليم أو القدير أو السميع سائغًا، فكلٌ من هذه الأسماء يدل على ذات الله عز وجل ويدل - باللزوم - على معنى زائد لا يدل عليه الاسم الآخر؛ فاسم العليم يدل على الله وعلى معنى آخر هو العلم، واسم القدير يدل على ذات الله وعلى معنى غير الذي دل عليه اسم العليم ألا وهو معنى أو صفة القدرة، وهكذا. وهنا يقول ابن تيمية:"فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأي اسم كان إذا عُرف مسمى هذا الاسم" [3] ، ثم يقول:"إذا عُرف هذا، فالسلف كثيرًا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي أن المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة" [4]
فإذا رجعنا إلى المثال الثاني من أمثلة الاختلاف التي أوردناها سابقًا حيث تعددت الآثار في تفسير"الصراط المستقيم"فقال بعضهم هو الإسلام وقال بعضهم هو القرآن الكريم، فهذان
(1) مجموع الفتاوى - ابن تيمية - 178/ 13
(2) سورة الأعراف - 180
(3) مجموع الفتاوى - 179/ 13
(4) المرجع السابق