دورة مفطرات الصيام:
الركن الثالث [النية ومسائلها]
إعداد الشيخ /
فؤاد بن يحيى هاشم
الركن الثالث من أركان الصيام:
النية:
وفيه ست مسائل:
المسألة الأولى: حكم النية للصوم. [بالإجماع] .
المسألة الثانية: تعيين النية. [بين الجمهور والحنفية] .
المسألة الثالثة: محل النية. [بين الجمهور والحنفية] .
المسألة الرابعة: محل نية التطوع. [بين الجمهور والمالكية والظاهرية] .
المسألة الخامسة: اختلفوا هل تجزئه نية واحدة لجميع الشهر، أو تعتبر لكل يوم نية؟ [بين الجمهور والمالكية] .
المسألة السادسة: من نوى إبطال الصيام. [بين الجمهور والشافعية] .
المسألة الأولى:
حكم النية للصوم:
لا يصح الصوم إلا بنية، وهذا بالإجماع؛ لأنه عبادة محضة فافتقر إلى نية كالصلاة.
واشترطت النية في الصيام:
مع أنه من جملة التروك، والتروك في الشرع لا تفتقر إلى نية؛ وذلك لأن الصيام تركٌ مخصوص بزمن معلوم، فكان مفتقرًا إلى نية لتميزه وتعينه، وتحصل القربة به.
وقد حكوا في المسألة خلافًا: عن عطاء ومجاهد وزفر.
ويبدو والله أعلم: أنه ليس خلافًا محققًا، فهم إنما راموا أن الصحيح المقيم في شهر رمضان لا يفتقر إلى نية؛ لأن رمضان مستحق الصوم، فلم يفتقر إلى نية، فالزمن معيار له فلا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد، فالنية إنما تشترط للتعيين عند المزاحمة، ولا مزاحمة هنا؛ فالمعين لا يعين، بخلاف صوم النذر والكفارة، فيشترط لها النية بالإجماع.
وبهذا نعلم: أن كلامهم يتجه نحو الاستغناء عن استدعاء النية وتعيينها بسبب حضور أصلها من قبل المكلف، وتعين وصفها من جهة الشارع.
ونعلم كذلك: أن محل هذه المسألة المفترض ألا يكون في مسألة حكم أصل النية، وإنما في حكم تعيينها، ولكن هكذا ذكرها الفقهاء، فذكرناها في الموضع الذي يذكروه مع التنبيه على ذلك.
على أن ابن حزم وغيره حكوا عن زفر بن الهذيل قوله: من صام رمضان وهو لا ينوي صومًا أصلا، بل نوى أنه مفطر في كل يوم منه، إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولا جامع: فإنه صائم ويجزئه، ولا بد له في صوم التطوع من نية.
فلعل هذا من ابن حزم: إلزاما بظاهر قول زفر، أو أنه بسبب الخلط الواقع في إقحام قول زفر في قول عدم مشترطي النية لصوم رمضان، وإن كان الأمر في نفسه ليس كذلك.
وهناك عدة تفاريع تفيد: أن زفر يعتبر النية للصائم في الجملة، نقلها عنه الحنفية في كتبهم، منها ما يفسد فيه زفرُ الصومَ لفوات النية!.
المسألة الثانية:
تعيين النية:
-الجمهور: يجب لرمضان نية معينة:
أما تعيّن الشيء شرعا فهو غير كاف، بل العبد متعبد بتجريد القصد إلى ما عينه التكليف عليه، ولو كفى تعيين التكليف لسقط أصل النية، كما حكوا عن زفر.
-الحنفية ورواية عن أحمد، وهو قول الحليمي: تكفي نية مطلقة:
لأن مشروع الوقت واحد لا يتنوع، فلا حاجة إلى التمييز بتعيين النية، فالفرض متعين فيه؛ يصاب بأصل النية، فرمضان معيار لم يشرع فيه صوم آخر فكان متعينا للفرض، والمتعين لا يحتاج إلىلتعيين.
وذكر الحنفية أن المكلفُ لو عيَّن جهةً أخرى: فإنها تلغو، فرمضان متعين بتعيين الشارع، وليس له ولاية إبطال صلاحيته لغيره من الصيام، وليس يلزم من بطلان الوصف [الجهة الأخرى التي عينها] بطلان نية الأصل [وهي أصل نية الصوم] فتبقى نية مطلقة صادفت صوم الفرض.
ولهم تفاصيل في ذلك.
وهذا الخلاف: قريب من الخلاف في المسألة السابقة عن زفر وغيره، فهنا الجمهور يشترطون تعيين النية، والحنفية يكتفون في رمضان بالنية المطلقة؛ لأنها متعينة في محلٍ واحد، فلا حاجة إلى تمييزه.
وهذا في الحقيقة: يعود إلى قول زفر وعطاء ومجاهد على ما حققناه عنهم.
فهو اكتفاء بتعين صوم الفرض من قبل الشارع عن تكلف تعيين نيته من قبل المكلف.
وقد صوَّر ابن رشد الخلاف في تعيين النية بقوله:
هل يكفي جنس النية أو لا بد شخصها؟
وأن كلا الأمرين موجود في الشرع، فمن العبادة ما ينقلب، ولو قصد غيرها كحج الفرض، ومنها ما لا ينقلب.
ومن المسائل المترتبة على الخلاف في هذه المسألة:
-أنه إن كان حاضرا في رمضان فنوى أن يصوم غدا عن نذر، أو كفارة، أو نافلة ... جاز عن رمضان عند الحنفية دون الجمهور.
-وإن نوى أن يصوم مطلقا ... أجزأه عن شهر رمضان أيضا عند الحنفية دون الجمهور.
-وإن كان مسافرا فإن نوى الصوم عن النافلة أو مطلقا ... أجزأه عن شهر رمضان عند الحنفية دون الجمهور.
الراجح: والله أعلم:
هو قول الحنفية في الجملة، فما دام أن نية الصوم موجودة فإنها لا تقع إلا عن رمضان، فهو محلٌ لا يصح فيه إلا عبادة مفروضة متعينة، فإن تكلَّف الصائم غيرها لم تنفذ شرعًا، وبقيت نية صومه صادفت فرضًا، وهذه المسألة قريبة جدًا من مسألة الحج الفرض، فمن نوى نفلًا أو عن غيره لم تقع إلا فرضًا له، لأن المحل متضايق لا يحتمل إلا الفرض.