وقد صحح ابن تيمية قول الحنفية هذا وحكاه رواية عن أحمد، فيصح فرض رمضان بنية مطلقة [أو بنية معلقة، فالنية تتبع العلم فمن علم شيئا قصده ضرورة وأنه إذا كان لا يعلم أن غدا من شهررمضان فهنا لا يجب عليه التعيين ومن أوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين.] استطراد
إلا أن ابن تيمية استثنى صورًا من قول الحنفية، وهو أن يعلم أن غدا من رمضان فينوي نفلا أوصوما مطلقا وأن ذلك لا يجزئ، وسيأتي في المسألة التالية إن شاء الله الإشارة إلى استشكال الحنفية على أنفسهم وقوع هذه الصور.
المسألة الثالثة:
في محل النية:
الجمهور: يشترط في الصوم الواجب أن تكون النية في الليل لا قبلها ولا بعدها لحديث حفصة:"من لم يجمع النية من الليل فلا صيام له"أخرجه الخمسة.
وبهذا قال: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود.
الحنفية: لا يشترط أن تكون من الليل؛ بل تجزئ، ولو بنية من النهار قبل الزوال:
1 -لحديث صوم عاشوراء عاشوراء {من أكل فليمسك بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم} وكان صومه فرضا حتى فرض رمضان فصار سنة ففيه دليل على أن من تعين عليه صوم يوم، ولم ينوه ليلا تجزئه النية نهارا.
2 -أن اقتران النية بحالة الشروع ليس بشرط في باب الصوم بدليل جواز التقديم، وإذا جاز نيته متقدمة دفعا للحرج جاز نيته متأخرة لمعنى الحرج نفسه، ففي الصائمين صبي يبلغ نصف الليل وحائض تطهر في آخر الليل فلا ينتبه إلا بعد طلوع الفجر وفي أيامه يوم الشك فلا يمكنه أن ينوي الفرض ليلا إذ لم يتبين أنه من رمضان.
أما التوقيت بالزوال:
فلأن النية إذا اقترنت بأكثر النهار ترجح جانب الوجود على جانب العدم؛ فالأكثر له حكم الكل.
وحمل الحنفية:
حديث السنن: {لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل} على نفي الكمال، أو اختصاصه بالنذر والقضاء والكفارات، كما وقع تخصيصه بالنفل.
وقول الحنفية: في ظاهره مشكل إذ كيف لا ينوي صيام الفرض؛ هل يجوز هذا؛ وهذا الإشكال يرد نفسه في المسألة السابقة في قولهم بصحة صوم رمضان بالنية المطلقة!
بل قال بعض الحنفية مستشكلًا: إنه يخشى عليه الكفر لأن مقتضاه عدم فرضية رمضان، وحمله بعضهم على يوم الشك
واستطال عليهم ابن حزم: أنه لا يعلم أحدًا قبلهم أجاز أن يصبح في رمضان عامدا لإرادة الفطر ثم يبقى كذلك إلى قبل زوال الشمس ثم ينوي الصيام حينئذ ويجزيه.
وأقول: إن معنى قولهم والله أعلم: أنه لو ذهل أو نام أو كان مغمىً عليه فلم ينتبه إلا في النهار فإنه يجزئه، وإلا فهم مع الجمهور في اشتراط أن يكون الصوم بنية، وهذا محل إجماع.
يؤكد هذا تعليلهم لهذا القول: إن النية لو ألزمت من الليل للزم الحرج على كثير من الناس كالذي نسيها ليلا، أو في حائض طهرت قبل الفجر، ولم تعلم إلا بعده، وهو كثير جدا.
فابن حزم مثلًا وهو القائل بوجوب تبييت تعين النية كل يوم في الفرض والنفل، وهو أشد الأقوال في المسألة، ومع ذلك فهو يجيز لمن نسي النية من الليل إحداثها في اليوم الثاني.
وبهذا نعلم أن ابن حزم وهو صاحب أشد الأقوال في المسألة، وأعنف من رد على الحنفية قولهم: يجيز الصورة التي من أجلها رسم الحنفية قولهم في المسألة، وإن كان على طريقة الاستثناء، فهو متفق معهم على أن هذه النية تجزئه.
وقد اعتبر ابن حزم أن نية صوم رمضان هي ضرورة من قصد إلى الطاعة المفروضة وترك المعصية المحرمة.
وبهذا نعلم أن الخلاف بين ابن حزم والحنفية إنما هو في صياغة القول لا في حقيقته.
وإن كان الحنفية قيدوا قولهم بما قبل الزوال بينما ابن حزم يجيز النية، ولو لم يكن إلا قبل الغروب، وبه نعلم أن قول ابن حزم هو أكثر سعة من قول الحنفية.
ويبقى أن الحنفية ومعهم ابن حزم يختلفون مع المالكية والشافعية والحنابلة من جهة أن الشافعية والحنابلة قرروا أن عليه قضاء ذلك اليوم؛ لأن شرط النية الليل.
والذي يظهر لي في المسألة كما يلي:
1 -الصحيح في الحكم على الحديث أنه موقوف، كما جزم بذلك جماعة من الأئمة المتقدمين، ولم يروه مالكٌ في الموطأ إلا موقوفًا.
2 -أن معناه أن الصيام الفرض بجب أن يكون مسبوقًا بنية حتى يكون صيامًا شرعيًا من أول طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
3 -ليس معنى الحديث والله أعلم أن زمن النية هو من وقت الغروب في اليوم السابق إلى قبل طلوع الفجر، بل لو نوى صوم رمضان، ثم نام في اليوم السابق من قبل غروب الشمس، إلى بعد طلوع الفجر في اليوم الثاني، لصح صومه لأن النية مستصحبة، ولم يقطعها شيء، والفرض قد استقبله بالنية، وإنما علقت النية بالليل، لأن الليل هو المحل الغالب لها، ويندر وقوعها قبله، والحكم إذا علق بوصفٍ خرج مخرج الغلبة كان هذا الوصف لاغيًا، يؤكد هذا الرواية الأخرى: {لمن لم ينو قبل طلوع الفجر} ، ومنه قول ابن عمر: {لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر} ، وأدعي أن تحديدها بالليل لا تصح قبله إنما كان متأخرًا في الصياغة الفقهية للمذاهب، أخذا بظاهر لفظ الحديث.