2 -وإن كانت بطلاء أفطرت عند الأربعة، إلا أن يكون يسيرا فلا يفطر عند المالكية قياسًا على الدهن اليسير على الحقنة.
القسم الثالث: مناظير واصلة إلى البطن من منفذ غير طبيعي كالجراحة مثلًا، فهي على صورتين:
الصورة الأولى: ألا تنفذ إلى محل الطعام والشراب:
كمناظير البطن لأخذ عينات مما تحويه، كالكبد والطحال ومحيط البطن الداخلي.
فجميع هذه الأنواع لا تفطر إن شاء الله لأنها لم تصل إلى محل الجوف الشرعي وهو محل الطعام والشراب.
وهذا منسجمٌ مع مذهب المالكية باشتراط الوصول إلى محل الطعام والشراب لذا لم يوقعوا الإفطار بمداواة الجائفة.
وقد نص ابن قدامة في المغني على أن الوصول بالجوف معتبر بما ينفذ إلى معدته.
وهو يلتقي مع مذهب الحنفية في كثير من تفاريعهم لاسيما استثناءهم اليابس من الإفطار بمداوة الجائفة والمأمومة لأنه لا يصل إلى محل الجوف.
الصورة الثانية: أن تنفذ إلى محل الطعام والشراب:
المناظير الواصلة إلى محل الطعام والشراب [المعدة والأمعاء وطريقهما، فمحل الطعام والشراب هو أنبوب يضيق ويتسع يبدأ من وراء الحلق وينتهي بالأمعاء] .
كالمسبار الكاشف لصورة المعدة، أو لأخذ عينات مما تحويه.
التقعيد الفقهي للمسألة:
المذاهب الفقهية الأربعة، ومعهم أهل الظاهر: لا يشترطون أن يكون الداخل مغذيا، فوصف التغذية لا أثر له في الفطر، ولذا فلم يصب من علَّق المسألة على قضية التغذية.
وإنما الكلام في الاستقرار وعدمه: فالحنفية على اشتراطه خلافًا للجمهور.
وبما أن المنظار لا يستقر فإنه يمكننا القول بأنه مفطر عند المالكية والشافعية والحنابلة دون الحنفية.
وسبقت الإشارة: إلى قوة مذهب الحنفية في اشتراط استقرار ما لا يستصلح البدن كهذه المناظير الطبية لعدم تحقق وصف الأكل والشرب فيها: لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى.
لكن إذا دخلت المناظير بطلائها: كما هو الأمر المعتاد؛ فإنه يقتضي الإفطار بها حسب قواعد الفقهاء الأربعة، وعلى وفقه خرج قرار المجمع الفقهي.
وظاهرٌ: أنه ليس بمفطر على قواعد أهل الظاهر، الذين قصروا المفطرات على حصول صورة الأكل والشرب، من البلع عن طريق الحلق من منفذ الفم.
إضافة واستدراك:
لبعض المعاصرين اتجاه آخر في تناول المسألة، فقد ذهب الطبيب الدكتور وسيم فتح الله: إلى حصول الفطر بالمناظير كلها لأنها إن لم تدخل في حكم الداخل إلى الجوف - تنزلا - فإنها تأخذ حكم الخارج من البطن فيكون حكمها حكم الاستقاءة لاشتراكهما في تعمد إخراج ما في البطن.
يقول حفظه الله: لعل مما يلحق بصورة الإستقاءة قيام الطبيب بإخراج الأنبوب المعدي أو المنظار الموضوع سابقًا إما عن طريق الأنف أو الفم؛ لأن حقيقة الاستقاءة استدعاء خروج ما في المعدة، وعليه فإن إخراج هذا الأنبوب أثناء فترة الصوم يؤدي إلى الفطر.
وذكر أيضًا: أنه يمكن تخريجها على مسألة الخيط التي ذكرها النووي في المجموع.
وهذا فيه ضعف لأمور:
1 -أن المناظير لم تدخل حتى يكون خروجها في حكم الاستقاءة، وإنما وصلت فقط إلى الداخل، ولم تتغيب فيه، وهي لا تزال متصلة بالخارج.
2 -أن مسألة الخيط هي لدخول الريق إلى الجوف بعد انفصاله عنه، ولا تعلق لها بمسألة الاستقاءة.
3 -أن الاستقاءة عند أكثر من قال بالفطر بها معللة بأنها لا تسلم من ترجيع بعض الطعام إلى الداخل، وهذا لا يتحقق في إخراج المناظير، وإنما قد يصح هذا القول بناء على أن الاستقاءة مفطرٌ مستقلٌ بنفسه، ويشكل عليه ما سبق أن الاستقاءة هي خروج الطعام والشراب الذي دخل إلى الجوف، والمناظير ليست هي كذلك.
لكن إن كان من غرض المناظير إخراج بعض ما في محل الطعام والشراب:
فنقول: لها نظران؛ فبحسب الجمهور فإنها لا ترد أصلًا؛ لأنه بمجرد الوصول يحصل الإفطار، وإنما ترد عند الحنفية لأن الإفطار لا يقع عندهم إلا بالاستقرار، فإذا خرج مع المنظار شيء ألحق بالاستقاءة.
لكن إن كانت المناظير تدخل من من غير الحلق، كالواقع في الجراحة، فإنه يحتمل حينئذ عدم الإلحاق بالاستقاءة فإن أكثر من أفطر بالاستقاءة عللها باحتمال ترجيح بعض الطعام، وهو غير وارد هنا.
وبحسب النتيجة التي خرجنا بها من عدم وقوع الفطر بالاستقاءة، فإن ما تخرجه هذه المناظير لا حكم له من حيث الأصل فضلًا عن المناظير نفسها.
الخلاصة: أن الفطر بالمناظير لا يقع إلا إن دخلت إلى محل الطعام والشراب بطلائها.
فالمناظير لها أحوال:
••إن لم تدخل إلى محل الطعام والشراب فلا حكم لها، وهذا ظاهرٌ عند المالكية لنصهم على محل الطعام والشراب، ولذا لم يفسدوا الصوم بدواء الجائفة، كما نص الحنفية والحنابلة على أن الجوف هو ما كان ينفذ إلى المعدة.
••إن دخلت إلى محل الطعام والشراب بطلائها، يفطر حسب قواعد الفقهاء الأربعة.
••إن دخلت إلى محل الطعام والشراب بغير طلاء فلا يفطر عند الحنفية لاشتراطهم الاستقرار فيما لا يصلح البدن، وهو الراجح خلافًا للجمهور.