الصفحة 18 من 33

وقولهم بالفطر بالجائفة: هو قول الجمهور، فقولهم بطرفيه مسبوق، وإنما حصلت الإضافة لديهم من حيث الصياغة والشكل بالنظر إلى حكم المسألتين معًا، ومعلوم أن صياغة المسائل متأخرة.

فلو قيل: ما حكم دواء الآمة:

لقلنا: الجمهور على الفطر به دون المالكية، والصواب قول الماليكة، وقد قطع الأطباء بعدم الوصول إلى الجوف.

ولو قيل: ما حكم دواء الجائفة:

لقلنا: الجمهور على الفطر به دون المالكية، والصواب قول الجمهور إذا تحقق الوصول إلى الجوف المعتبر شرعًا.

أما التفريق بين الدواء والغذاء: فضعيف، فلا فرق في الداخل إلى الجوف بين الغذاء والدواء؛ بل إن وصف التغذي لاغٍ عند أكثر أهل العلم، وإنما شاع بين المعاصرين، ولم يحققوه، فاشترطوه في الداخل من المنفذ غير المعتاد دون الداخل من المنفذ المعتاد.

أما قول ابن تيمية رحمه الله: إن مداوة الجائفة والمأمومة مما تعم بها البلوى، فلو كان يقع الإفطار به لنقل لتوافر الدواعي على نقله.

فقد تعقبه السلامي: بأن هذا البناء وإن كان محكما قويا في ظاهره إلا أن التأمل فيه يكشف ثغرات فيه، ذلك أن عوارض التشريع الأصلي مما أوكله الله لمن أوتي فهما في القرآن وفي السنة، وأنه لا يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعرض لكل جزئية يمكن أن تحدث بالبيان، وليست المأمومة ولا الجائفة مما تعم به البلوى، فمن أين له أن المجروحين في عهد النبوة بجائفة أو مأمومة كانوا من الكثرة حتى إن البلوى عمت، والمتتبع للفقه وقضايا الطهارة والصلاة يجد عددا كثيرا من المسائل وكثارا من القضايا التي وصل إليها الفقهاء بالاستنباط من النصوص الواردة إما فهما نافذا وإما قياسا.

قلت: يبدو أن محل الخلاف بين ابن تيمية وبين السلامي هو في اعتبار قضية المأمومة والجائفة مما تعم به البلوى أو مما لا تعم، فطريقة ابن تيمية تنص على أن هذه القضية مما تعم بها البلوى، بينما الشيخ السلامي يبت نافيا أن تكون الجائفة أو المأمومة مما تعم بها البلوى.

وطريقة السلامي أظهر إن شاء الله تعالى، وبنظري أن مسائل المفطرات من الظهور بمكان لوضوح ا لعلل الشرعية فيها، فحقها قصر النظر فيها إلى تحقق الوصف الشرعي أو عدم تحققه، أما طريقة ابن تيمية رحمه الله فتصلح أن تكون دليلًا مضافًا إذا تحقق لديه عدم توفر الوصف الشرعي في الإفطار بها.

وبما سبق:

يتبين لنا أن اتجاه المعاصرين بالإفطار بدواء الجائفة إذا تحقق وصوله دون دواء الآمة: صحيح إن شاء الله من حيث الدليل والمعنى، وقد عضده علم التشريح الحديث، وليس هو ببدع من القول إنما هو في طرفيه امتداد لأقوال الفقهاء القدامى.

يبقى أن يقال:

هناك حالات مرضية بالغة الخطورة لا مجال فيها للحديث عن صحة الصوم فيها فهو إما مشرف الموت أو يكاد، والغالب والعادة أن يكون مفطرا بل قد يكون ممنوعا من الصوم، وهذه ملاحظة مهمة تفيد ندرة وقوع السؤال عن أحكام هذه الصور، ولكن على الفقيه أن يكون ملما بحكم الصورة لو حصلت حتى لو كان وقوعها على سبيل الندور، على طريقة الفقهاء القدامى في فرض المسائل المقدرة، فما بالك بما يمكن أن يقع.

فمثلًا: مداواة المأمومة قد تستمر أياما ويحتاج إلى مداواتها وهو يقدر على الصيام.

ويمكن أن نقسم أحوال المرض على ثلاثة أحوال:

ثانيًا: إدخال المناظير:

المناظير على أقسام:

القسم الأول: مناظير نافذة من الحلق عبر الفم أو الأنف:

إن كانت عبر الأنف فلا تفطر عند أهل الظاهر لاشتراطهم المنفذ المعتاد.

ولا أثر للمنفذ المعتاد عند الجمهور:

فإن كانت مطلية: أفطرت.

وإن لم تكن مطلية: فهذه سبق حكاية الخلاف الواقع فيها بين الجمهور والحنفية بالنظر إلى اشتراط استقرار ما لا يصلح البدن، وأشرنا إلى قوة مذهب الحنفية في اشتراط الاستقرار، لكن إن كانت تستفرغ ما في المعدة، فيكون حكمها حينئذ حكم الاستقاءة.

القسم الثاني: مناظير نافذة عن طريق الدبر أو الفرج أو الإحليل:

والحكم فيها واضح إن شاء الله بحسب قواعد الفقهاء المذكورة في موضوع"فرز خلاف الفقهاء في المفطرات التي بابها المنافذ السفلى"، ورجحنا هناك عدم الفطر بها مطلقًا.

وأن الخلاف في الإحليل:

واقعٌ بين الجمهور والشافعية.

وأن الخلاف في الفرج والدبر واقع:

بين فريق الشافعية والحنابلة باعتبار الإفطار بالداخل مطلقًا

وبين المالكية باعتبار الإفطار بالمائع فقط.

وبين الحنفية بالإفطار بالمائع والجامد المستقر.

وبالتالي تكون المناظير الداخلة:

عن طريق الإحليل مفطرة عند الشافعية خلافًا للجمهور.

وعن طريق الدبر والفرج:

1 -إن لم تكن بطلاء لم تفطر عند الحنفية والمالكية، وأفطرت عند الشافعية والحنابلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت