إن من يقرأ هذا الكتيّب يذهب عنه استغرابُه من تناول الغرب في الآونة الأخيرة لرسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالسّوء في رسوماتهم ومقالاتهم، فهم كما رأينا ورثوا حبّ الإساءة للرّسل والأنبياء من كتبهم المحرّفة، لذا فهم لا يتحرّجون اليوم _بزعم الحرية والحق_ في إبداء الرّأي وديمقراطية التّفكير، أن يُهينوا أشرفَ النّاس وأعظم النّاس وأطهر النّاس...
لكنّ الأغربَ من ذلك أن تجد أناسا يؤمنون بالنّصرانية وبكتبها، يتعصّبون لأسفارها وآياتها، ويستميتون في الدفاع عنها والتّبشير بتعاليمها في الآفاق، في الوقت الّذي يتكاسل أهل الإسلام، أصحاب أصحّ كتاب مقدّس على وجه الأرض، في تبليغ دينهم والدّعوة إلى شريعتهم، الّتي هي أتمّ وأكمل الشّرائع، ولقد تمادى المسلمون في هذه السّلبية والإهمال لدينهم، حتّى طمع فيهم المنصّرون والمبشّرون، فعمِلوا على تحويلِهم إلى دين الكنيسة وشريعة الصّليب.
ولقد تكثّفت حملات التّنصير في البلاد الإسلامية، خصوصا على يد الفرق البروتستانتية، الّتي تدعمها دول ومؤسّسات عالمية حاقدة على الإسلام، وصاحبت هذه الحملات التّنصيرية حملاتٌ إعلاميّة وثقافيّة وأكاديميّة موازية على الإسلام وحضارته، تثير حوله الشبهات تلو الشّبهات، وتنشر الأكاذيب الملفّقة، وتُضخِّم بعض الأخطاء الّتي يقع فيها أدعياء الإسلام هنا وهناك، وتنسبها إلى الإسلام ذاته، حتّى تنفِّر النّاسَ عنه.
كما أنّ الحملات المتضافرة على الإسلام والمتناغمة في توجّهاتها وأهدافها، تتبادل الأدوار بينها، فمرّة تضغط سياسيّا، ومرّة تهدّد عسكريّا، وتنفّذ عند الضّرورة، ومرّة تغْرِق الفقرَاءَ والمعوزين بالمساعدات المادّية شراءً لضمائرهم، وتقدّم تأشيرات سفر لعاطلين عن العمل والفاقدين للشّعور بالحياة ...
هكذا التّنصير دائما، لا يجد أتباعا له إلاّ في أماكنِ المأساة الإنسانيّة، الّتي يُعذَّب فيها البشر، أو يقاسون من شظف العيش.