ويقول النصّ الإنجيليّ إنّ إبليس أخذ المسيح إلى جبلٍ عالٍ جدًّا فأراه جميع ممالك الدّنيا ومجدها، وقال له أعطيك هذا كلّه إن سجدت لي وعبدتني !
أصبح إذن لإبليس قدرات فائقة، وقوّات لا قبل للآلهة بها، صعد المسيح مع إبليس إلى جبل عالٍ على الأرض ورأى كلّ مماليك الدّنيا، ولا أدري عن أيّ جبل يتحدّث الإنجيل، فإنّ أعلى جبل على وجه الأرض الهمالايا وقمّته الإفرست، والذين وصلوها لم يروا منها إلاّ بعض الجبال حوله، وأبعد نقطة قد يرونها لا تتجاوز عشرات أو مئات الكيلومترات فأين مماليك أوروبا وأفريقيا وآسيا وأستراليا وأمريكا، فهل رآها المسيح!؟
لا أظنّ.
بل أكثر من ذلك فإنّ المسيح لو صعد إلى القمر لا يستطيع أن يرى إلاّ جانبًا من الأرض، أمّا الباقي قيبقى مختفيا لأنّ الأرض كرويّة لا يظهر الجانب الآخر منها.
ولنفرض جدلًا أنّ ثمّة جبل آخر غير الهمالايا، يقع في دولة أخرى لم يكتشفها بعد كريستوف كولومبس، تُشاهد منها كلّ مماليك الأرض، فلمن تلك المماليك ومن خلقها ومن يملكها؟، وهل خلقها الله أم إبليس خالقها؟، والرّاجح من هذا الكتاب العجيب الغريب أنّها مُلك إبليس وخالقها، لأنّه يريد دفعها رشوة للمسيح مقابل أن يسجد له ويعبده هذا الأخير.
إنّ خضوع المسيح للتّجربة حرّك في إبليس طمعًا غريبًا، وهو أن يصبح السّيّد والمسيح هو العبد، فطمعه لا حدود له، لدرجة أنّه فكّر قي قلب الأدوار ليصير هو الله والمسيح إبليس الذي يتخلّى عن ألوهيّته مقابل رشوة يقدّمها المجرّب.
وهذا النصّ الإنجيليّ، وضعني في حيرة، إذ إنّه يعارض النّصوص الكثيرة في العهد الجديد التي تصوّر الشّياطين والأرواح النّجسة، التي تفرّ من المسيح كلّما سمعت به أو رأته، مثلما ذُكر في قصّة الرّجل المصاب بسكن الأرواح النّجسة التي تسجد للمسيح وتخافه وتتوسّله، وتصرع وتصرخ رعبًا منه.