الحقيقة الثالثة: إن الأمريكيين، بحسب سفر الأنصار، يمولون ثمن الاحتلال من قرابين السنة وليس من قرابينهم، ولا ريب أنه تمويل من أرخص التكاليف وأكثرها فاعلية. لكن لو انقلبت الصورة، وعادت الجماعات الجهادية إلى سابق عهدها في استهداف القوات الأمريكية بالذات فهل ستكون النتائج متماثلة؟ نطرح السؤال في ضوء أن السفر يتحدث عن"فرق ضخم من تحالف العملاء"له قاعدة اجتماعية تتواجد في مختلف التشكيلات الاجتماعية وليس عن عملاء احتلال هنا وهناك.
والحقيقة الرابعة: من الخطأ النظر إلى الصحوات كمشروع آني يمكن أن ينتهي بمرور الوقت، فمثل هذه النظرة عصية على الفهم. إذ أن الأمريكيين كقوة احتلال استنفذوا تقريبا كل طاقاتهم العسكرية في مواجهة المشروع الجهادي، ولم يتنفسوا الصعداء إلا بمراهنتهم على مشروع الصحوات التي نجحت في المهمة من حيث فشلوا. ولعل كل متابع يتذكر تصريحات الرئيس الأمريكي وهو يعترف صراحة:"كانت الأمور صعبة، وكنا نخشى بأننا قد نخسر الحرب في عام 2006". فهل من المنطقي الاعتقاد بأنهم سيتخلون عن المشروع بهذه السهولة وهو مشروع إنقاذهم؟ ثم ما هو البديل المتاح أمامهم؟ الانسحاب من العراق؟ ممكن. لكن بأية شروط؟
الحقيقة الخامسة: إن سفر الأنصار بدا وكأنه يدرك هذه الحقيقة بامتياز حين ربط بين الصحوات والجبهات والقوى الداعمة لهما محليا ودوليا. وبهذا المعنى يكون مشروع الصحوات، إلى أجل غير محدد، خيارا استراتيجيا أمريكيا وإقليميا ومحليا. فالصحوات ما زالت تثبت، بالنسبة للأمريكيين، أنها عاملا رئيسيا معيقا للمشروع الجهادي. وتكلفة انتشارها، ماليا، أرخص بعشرات الأضعاف من تكلفة مدرعة همر يمكن أن تشغل فصيلا من عشرين رجلا طوال شهر كامل.
الحقيقة السادسة والأخيرة أننا ما زلنا بحاجة إلى أسفار أخرى كي نطلع على المزيد من تعقيدات الوضع العراقي وحقيقة ما يجري هناك. فهل تفعلها الجماعات الأخرى؟ أم ستكتفي بالرد على سفر الأنصار؟ أم ستصمت بحيث يغدو السفر الحقيقة الوحيدة المتاحة؟ لا شك أن دولة العراق الإسلامية ليست معنية في الرد، لذا، في المسألة نوع من التحدي لمن طاله السفر بسوء الذكر وأطبق صمتا!