كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 361
ونعمة الإبقاء، فإن اللّه تعالى خلقنا أولا برحمته، وخلق لنا ما نقوم به، وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة، فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم، فلنا حالتان الابتداء والإعادة، وفي كل حالة له علينا تعالى نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فالأول: خلقه تعالى الأجرام السماوية والأرضية وما فيهن.
والثاني: ربط المسببات بأسبابها، فالقوى التي بها تركب الأجسام ثلاثة: الجذب، والإيجاد، والتماسك، في الجواهر الفردة، ومنها جعل تعالى قوة الجذب والدفع بين الأجرام، الأول الجذب: فهو قوة بها تنضم الأجزاء الفردة إلى بعضها وتتقارب حتى يتكون عنها جسم بسيط أو مركب، وقد يكون بين أجسام متعددة لمناسبة طبيعة بينها، وهي التي بها أيضا تقع الأجسام المنقذفة في الجو ساقطة على الأرض، ثم إنها تزيد فيما بين الأجسام على حسب كبر الكتل، وتنقص على حسب بعد المسافة، فكلما كبرت الكتل زادت، وكلما بعدت بينهما المسافة نقصت، وتختلف بالنظر لما تركبت منه الأجسام ولطبيعتها، بل ولأجزاء الجسم الواحد؛ إذ كثير من الأجسام ما تنصم أجزاؤه وتتحد بمجرد المماسة، ومنها ما يحتاج لتوسط درجات من الحرارة أو غيرها وهي بين أجزاء بعض الأجسام أكثر منها بين أجزاء البعض الآخر، والقوة الدافعة كذلك في كل ما سبق، وكل من قوتي الجذب والدفع معلوم أنهما خاصيتان موجودتان في جميع الأجسام وبهما السكون والفساد، وهما موجودان في الإنسان أيضا، ويسميان بالائتلاف والتنافر، ويجدهما الإنسان في نفسه إذا نظر إلى أشخاص، ولو لم يكن يعرفهم، فإنه يجد في نفسه أنه يألف منهم بعضا ويأنف بعضا.
(وأما التماسك) : فهو قوة الجذب الحاصلة بين الأجزاء المتماثلة، وهو في الجامدات أقوى منه في المائعات؛ ولذا لا تنفصل أجزاء الصلب من بعضها إلا بعنف، وأما الغازات فلا تماسك فيما بين أجزائها.
وأما الاتحاد فهو قوة الجذب الحاصلة بين الأجزاء الغير المتماثلة، أي الغير المكونة للأجسام البسيطة، ويكون بين جزءين وثلاثة وأربعة، وكونه بين خمسة نادر، وحالات الأجسام من الصلابة والميوعة والسيولة لا تمنع من اتحادها، فيقع الاتحاد بين الأجسام الجامدة والمائعة وبينهما وبين الهوائية، فإذا علمت هذا، فاعلم أنه تعالى جعل التماسك في الجواهر الفردة، أي التي لا تقبل الانقسام فكلما عظمت الأجسام كانت قابلية الجذب بها أكثر من غيرها؛ لأنها تجذب الشيء بقدر عظم الشيء الجاذب، ويضعف جذبها بقدر مربع بعد الشيء المجذوب، يعني أن الجاذبية قوية مرتين، في جسم عظيم مرتين، وضعيفة أربع مرات