فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 319

وتحفظ حواليها على مقتضى نواميس الميل الغير قابلة للتغير، لكن الحكمة الإلهية اقتضت الآن حفظ الأشياء وضبطها في مواضعها الشاغلة هي لها بموجب قوة مجهولة ذاتها لأفعالها تسمى بالجذب.

(مسألة مهمة) في قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ

[الرّعد: الآية 17] . قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) [الرّعد: الآية 17] . ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة في الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها، ومن حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن يتبسط على الأرض، ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف، ويبطل سواء كان ذلك الزبد مما يجري مجرى الغليان من بياض الأقشة أو مما يخلط بالماء من الأجسام الخفيفة، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد غليان الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا عند غليان المعادن، فعلى هذا القول قال السهروردي: يسمى الماء واديا إذا سال، ومنه سمى الودي وديا لخروجه وسيلانه، فعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل فقوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) [الأنعام: الآية 99] . فكان أول ما نزل، وكانت منه الأرض.

وأما قوله تعالى: (بِقَدَرِها) [الرّعد: الآية 17] . ففيه بحثان:

(الأول) : قال الواحدي: القدر والقدر مبلغ الشيء، يقال: كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها أي كم تبلغ في الوزن، فما يكون مساويا لها في الوزن فهو قدرها.

(الثاني) : سالت أودية بقدرها: أي من الماء على قدر السعة التي أرادها اللّه تعالى لها.

وأما قوله: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا) [الرّعد: الآية 17] . ففيه بحثان:

(الأول) : قال الفراء: يقال: أزبد الوادي ازبادا والزبد الاسم. (وقوله:(رابيا) . أي طافيا فوق الماء من غليانه.

(الثاني) : قال كعب الأحبار: إن اللّه خلق جوهرة ونظر إليها بعين الهيبة فسالت سيلانا شفافا منوعا، فنظر اللّه إليه فسال سيلانا مائيا فازبدا زبادا طافيا. وأما قوله تعالى: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) [الرّعد: الآية 17] . (فاعلم) أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء الذي تكونت منه كرة الأرض، ومنها الفلزات أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت