ثم إن العلماء والحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة وهم أعلمهم وتبايعوا أن لا يخرجوا من يثرب وإن قتلهم الملك، فلما علم الملك بذلك سألهم عن الحكمة التي اقتضت إقامتهم في هذه البلدة؟ فقالوا: أيها الملك إن ذلك البيت وهذه البقعة يشرفان برجل يُبعث في آخر الزمان اسمه محمد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه وآمن به، ونحبّ أن ندركه أو يدركه أولادنا، فلما سمع الملك بذلك همّ بالمقام معهم فلم يقدر على ذلك، فأمر بعمارة أربعمائة دار على عدة العلماء وأعطى كل واحد منهم جارية وأعتقها وزوّجه بها، وأعطاهم مالًا جزيلًا، ثم كتب كتابًا وختمه بخاتم ذهب ودفعه إلى عالمهم الكبير الذي أبرأه من علته وأمره أن يدفعه إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إن أدركه، وإلا يوصي بذلك أولاده ثم أولادهم.
وكان الكتاب: أما بعد، فإني آمنت بك وبكتابك الذي ينزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك وبكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان والإسلام، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإلا فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين وقد بايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام، ثم نقش عليه: لله الأمر من قبل ومن بعد، وكتب عنوانه إلى محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب نبي الله ورسول الله وخاتم النبيين ورسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم -، من تبّع الأول حمير بن وردع.
ثم سار من يثرب إلى بلاد الهند فمات بها، وكان من يوم موته إلى
اليوم الذي بعث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة لا يزيد ولا ينقص، وكان الأنصار
من أولاد أولئك العلماء والحكماء، فلما ظهر خبره - صلى الله عليه وسلم - بمكة أرسلوا إليه كتاب تبّع مع رجل منهم يقال له: أبو ليلى إلى مكة، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبيلة بني