وأما التبّع الثالث الذي أراد هدم البيت؛ فإنما كان في أول زمان قريش.
قال: وكان سبب خروجه ومسيره إليه: أن قومًا من هُذيل (1) من بني لحيان جاؤوه فقالوا: إن بمكة بيتًا تعظّمه العرب جميعًا، وتَفِدُ إليه وتَنْحَر عنده، وتَحُجّه وتَعْتَمِرَه، وإن قريشًا تليه؛ فقد حازت شَرَفه وذِكْرَه، وأنت أولى أن يكون ذلك البيت وشَرَفه وذِكْره لك. فلو سِرْتَ إليه وخربته وبنيت عندك بيتًا، ثم صرفت حاجّ العرب إليه كنت أحق به منهم. قال: فأجمع المسير إليه.
وعن موسى بن [أبي] (2) عيسى المديني، قال: لما كان تبّع بالدَّفّ
من جُمْدان بين أَمَج وعُسْفان (3) ، دفت بهم دوابهم، وأظلمت عليهم [الأرض] (4) ، فدعا أحبارًا كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم، فقالوا:
هل هممت لهذا البيت بشيء؟ قال: أردت أن أهدمه. قالوا: فانوِ له خيرًا؛ أن
(1) هُذيل: من القبائل العربية العدنانية، يعودون إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، منازلهم كانت وادي نخلة المجاور لمكة وبين مكة والمدينة، وكان صنمهم مناة بقديد (انظر: جمهرة الأنساب ص:185 - 187، والأعلام 8/ 80) .
(2) قوله: (( أبي ) )زيادة على الأصل. وانظر ترجمته في: تقريب التهذيب (ص: 553) .
(3) الدَّفّ: قال البلادي في معجمه (3/ 227) : أهل الحجاز يسمون كل أرض مرتفعة عن السيل إلى سفح الجبل وكانت دمثة دَفًَّا؛ كدَفِّ زيني، ودَفِّ خزاعة وغيرها كثير. ودَفُّ جمدان: أرض ليست رمل وليست حزن، بسفح جمدان، ولهذا سميت الدَّفَّ.
وجُمْدان: جبلان متجاوران يظللان الدَّف من الغرب على (100 كلم) شمال مكة، يمر الطريق بسفحهما الشرقي (معجم معالم الحجاز 2/ 170) .
وأَمَج: بلد من أعراض المدينة (معجم البلدان 1/ 249) وأمج: واد فحل من أودية الحجاز يأخذ من حرة بني سليم ويفرغ في البحر (معجم معالم الحجاز 1/ 138) .
وعُسْفان: تقع شمال مكة على ثمانين كيلًا على المحجَّة إلى المدينة، على التقاء وادي فَيْدة
بوادي الصُّغُو، فيها آبار عذبة قديمة مجصصة ومرقبة، منها بئر التَّفْلة(معجم معالم الحجاز
(4) زيادة من الأزرقي (1/ 133) .