ـــــــــــــــــــــــــــــ
وصول ذلك الفيض إلي قلبه، وتأثره عنه، ورسوخه فيه، وإيقانه له يقال: ثلج صدره وأصابه برد اليقين، لمن تيقن الشيء وتحققه.
قوله: (( فعلمت ما في السماء والأرض ) )يدل علي أن وصول ذلك الفيض صار سببًا لعلمه، ثم استشهد بالآية، والمعنى أنه تعالي كما أرى إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) ملكوت السموات والأرض، وكشف له ذلك، فتح علي أبواب الغيوب، حتى علمت ما فيها من الذوات، والصفات، والظواهر، والمغيبات، فعلوت من الملك وهو أعظمه. (( مظ ) ) (( نرى ) )لفظ مضارع، ومعناه ماض، أي أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض أي خلقهما.
أقول- والله أعلم- قول المظهر: (( معناه ماض ) )محمول علي أن معناه حين استشهد به في الحديث ماض ليستقيم معنى تشبيه حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحالة خليل الله. وإلا فهو في مستقره من التنزيل علي ما هو عليه مضارع علي حكاية الحال الماضية استغرابًا واستعجابًا، والمشبه بكذلك غير المشبه في الحديث، وكذا المشار إليه. الكشاف: (( كذلك نوري ) )أي مثل ذلك التعريف يجوز أن يكون المشار إليه. ما سبق من معنى قوله: {وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة} الآية، وهو المعرفة والبصارة التي يمكن بها من إنذاره إياه، وتضليل قومه، فيكون قوله: {فلما جن عليه الليل رأي كوكبًا} كالتفصيل والبيان بمعنى المثل في (( كذلك ) ). و (( ليكون ) )إما معطوف علي محذوف، أي هديناه لطريق الاستدلال ليحتج به قومه، وليكون من الموقنين، وإما أن يكون معلله محذوفًا أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك والجملة معطوفة علي الجملة السابقة. ثم في الاستشهاد بالآية نكتة، وهي أنك إذا أمعنت النظر في الرؤيتين، ودققت الفكر بين العلمين، علمت أن بينهما بونًا بعيدًا، وذلك أن الخليل (عليه الصلاة والسلام) رأي ملكوت السموات والأرض أولًا، ثم حصل له الإيقان لوجود منشأها ثإنيًا، والحبيب صلى الله عليه وسلم رأي المنشيء ابتداء، ثم علم ما في السموات- والأرض- إنتهاء، كما قال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله أولًا، جوابًا عن قول الشيخ أبي القاسم القشيري: ما رأيت شيئاَ إلا رأيت الله بعده. ثم إن الحبيب حصل له عين اليقين بالله، والخليل علم اليقين بالله، والحبيب علم الأشياء كلها، والخليل رأي ملكوت الأشياء.
قوله: (( في الكفارات ) ) (( نه ) ): هي عبارة عن الفعلة والخصلة من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي تسترها وتمحوها، وهي فعالة للمبالغة، كضرابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الأسمية. (( قض ) ): كرر قوله: (( فيم يختصم الملأ الأعلي ) )إعادة للسؤال بعد التعليم. سميت الخصال المذكورة كفارات لأنها تكفر ما قبلها من الذنوب، بدليل قوله: (( وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ) ).