الصفحة 31 من 70

ثم قفزة اخرى إلى ايام التتار وقد وقف فيمن وقف في مرحلتها امامين جليلين من اعظم أئمة الإسلام اولهما ابن تيمية، حرض الناس على قتالهم وقاتل بنفسه، ومع من؟ مع المماليك وامراء المماليك من جيش مصر والشام، وما المماليك؟ انظر تاريخهم وانظر انتشار الجهل، والبدع والتصوف وحجهم للقبور وتعظيمهم لقبر البدوي في مصر وسوى ذلك من انتشار القتل والظلم وسفك الدماء وظلم أموال الناس والفسوق والقيان والطنابير والخمور في زمانهم، حتى لقد أنكر البعض، وسئل الإمام ابن تيمية عن القتال مع أمراء مصر والشام وفيهم فقال لا ينكر القتال مع هؤلاء إلا جاهل. فكيف يصنع أهل الإسلام إذا ترك الجهاد معهم؟ بل ذهب في فتاويه إلى اعتبار جند الشام وجند مصر هم الطائفة المنصورة التي يحفظ بها الله دينه في ذلك الزمان، ومع ذلك كان كثير الاحتساب على أمراء المماليك وعلمائهم. وقصص أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وسجنه في ذلك مشهورة رحمه الله.

وفي دول الطوائف لما قامت دولة الأتابكة في الشام وجنوب تركيا ومن ملوكهم وأمراءهم المجاهدين عماد الدين زنكي وابنه نور الدين الشهير بالملك الصالح وماذا كان حالهم من التصوف وانتشار البدع في ذلك الزمان. والمفاسد مذكورة موجود في كتب التاريخ. وقد أثنى العلماء كلهم عليهم ثناءَ عطرًا، وجاهدوا معهم، ثم جاء من بعدهم الأيوبيون. وقام الملك الصالح صلاح الدين رحمه الله بجهاد الصليبيين وكان كما معظم ملوك عهده شافعيًا أشعريًا ولم ينكر سلفيو ذلك الزمان الجهاد معه ولم ينالوا منه كما ينال منه اليوم، ويتنقص المنتسبون زورًا لمذهب السلف الصالح، ولما مات رحمه الله اقتسم أبناؤه الملك وقاتلوا بعضهم واستنصر بعضهم بالنصارى حتى جاء أخوه الملك العادل وعزلهم وأخذ الملك، ثم جاء بعده ابنه الصالح اسماعيل فملك الشام، وأخوه نجم الدين أيوب فملك مصر، وتصارعا على الملك وحالف ملك الشام إسماعيل النصارى وأعطاهم حصون المسلمين وقصته مع سلطان العلماء العز بن عبد السلام مشهورة وليس هنا مكان ذكرها خشية الإطالة، وخرج من عنده بعد أن أفتى بما يفيد خلعه وعدم شرعيته لذلك. ونزل الشيخ على نجم الدين في مصر، فهل كان نجم الدين على حال خير القرون؟ كلا، كان له فضيلة قتال الصليبيين فوقف العز بن عبد السلام معه وعظمت منزلة الشيخ عنده ولكن نجم الدين كان جبارًا طاغوتًا انتشرت في عهده المظالم والخمور والفسوق، وكان للشيخ معه مواقف عظيمة من الاحتساب أما جهاد العدو معهم فكان كما كان حال علماء أهل السنة دائمًا، ثم ذهب الأيوبيون وقامت دولة المماليك، فاحتسب عليهم العز بن عبد السلام حتى بلغ به أن يبيعهم في القصة المشهورة من أجل تحريرهم من الرق، ولكن لما حضر قتال التتار ماذا كان منه رحمه الله .. حرض الجيش وندب الناس للقتال معهم وكانت موقعة عين جالوت، وقصته في تحريض جيش مصر على مواجهة التتار التي آلت إلى موقعة عين جالوت الظافرة مشهورة تحت راية قطز وبيبرس من المماليك وحال المماليك معروف، حتى يكفينا أنه لم تكد عين جالوت تنجلي عن نصر المسلمين حتى قتل بيبرس قطز ليظفر بملك المماليك ويأخذ اسم نصر المعركة، ثم غزا بيبرس هذا قاتل أميره غزا التتار والصليبيين، وقصص العلماء في الاحتساب عليه كما قصة الإمام النووي مع بيبرس مشهورة ليس محل ذكرها الآن ..

وذهب المماليك وجاء العثمانيون. وما العثمانيون؟ أكثر حالهم الجهل ولقد حفظ الله بهم الإسلام، وفتح على أيديهم عاصمة الروم قسطنطينية كما بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا فيها الأذان فصارت عقر دار الإسلام وعاصمة الخلافة إلى أيام آبائنا منذ سبعين سنة. فهل ترك أئمة الإسلام الجهاد معهم لأنهم أحناف صوفية؟! هل تركوا جهاد الأعداء طلبًا ودفعًا ..

يكفي العثمانيين أن من أحد مفاخرهم أنهم كانوا لا يسمحون لسفن النصارى أن تعبر مضيق باب المندب من اليمن إلى خليج السويس لأنهم سيمرون قرب بحر جدة وهو من الحرم، فكان البحر الأحمر كله عندهم حرم لا يدخله النصارى! وكانت سفن العثمانيين تتسلم بضائع التجار النصارى عند اليمن وتنقلها لهم إلى خليج السويس وتسلمهم إياها في المتوسط، ومن آخر ملوكهم السلطان عبد المجيد في القرن السابع عشر، كان يسمى البحر المتوسط البحيرة العثمانية، فسأله صحافي إنجليزي إذا كان المتوسط وشاطئه الشمالي كله لأهل الصليب بحيرة عثمانية؟ فما البحر الأسود الذي يحيط به ملك الإسلام وجيوش الخلافة العثمانية فعلًا؟، فقال السلطان العثماني: البحر الأسود هو مسبح قصري! هكذا كان على أيديهم مجد الإسلام، وقد جاهد المسلمون معهم وقصصهم مشهورة.

وبقي الأمر كله حتى زالت دولة الخلافة، وجاءت جيوش الروم في الموجة الصليبية الثانية في القرن التاسع عشر والعشرين. وعلى رأسهم انكلترا - فرنسا - دول أوربا وروسيا في وسط آسيا. فمن جاهدهم على مر نصف قرن ومن أخرجهم من مشرق العالم الإسلامي؟ جاهد علماء الهند والباكستان من الديوبندية والصوفية والأحناف جاهدوا الإنجليز 130 سنة وأخرجوهم، وكذلك فعل الأحناف الصوفية في أفغانستان، وأوقعوا في الحشد الإنجليزي مذبحة ذات مرة أتت على حملة من عشرة آلاف رجل وقيل ثلاثين ألف رجل، لم ينجو منهم إلا واحدًا تركوه حتى يقص القصة لملكة بريطانيا، أما الأحناف الصوفية في وادي فرغانة (في وسط آسيا من بلاد أوزبكستان) فقد أذاقوا الروس الويل، كذلك جاهد الإمام شامل الشافعي الأشعري الصوفي الروس ستين سنة في القفقاس، وقصته شهيرة تروى رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت