وفي أفغانستان من غير الجماعات العربية جماعات جهادية من البنجلاديش والباكستان وبورما وتركستان الشرقية التي تحتلها الصين والطاجيكستان وأوزبكستان وغير ذلك وكلهم يلقون نفس الجوار والعون مثل العرب وأكثر، فهذه مزية عظيمة لهؤلاء الطالبان يجب أن تكون أساسًا في الحكم عليهم ونحن في هذه المواجهة العالمية.
هذه خلاصة شهادتي في حال الطالبان حسب معايشتهم وأحداث أفغانستان على مر ما يقرب من سنتين معايشة ميدانية مباشرة وأسال الله أن أكون قد أديت الشهادة حقها. وأنتقل الآن لخصومهم.
ثانيًا: حال أعداء الطالبان وحلف الأحزاب المعارضة لحكمهم:
قبل الحديث في واقع التحالف المعارض للطالبان ومزاعمهم ومن يقف وراءهم يجدر التعريف بهم ليكون هذا مفيدًا لغير المتابع لأوضاع وأخبار أفغانستان وسأبدأ بالتعريف بهم حسب أهمية قوتهم العسكرية اليوم بالترتيب:
أولًا: الجنرال عبد الرشيد دوستم: وهو الرأس الوحيد الباقي من رموز النظام الشيوعي السابق. فقد كان قائدًا للمليشيات الشيوعية الأوزبكية التي تحمى النظام الشيوعي السابق إلى جانب الجيش الذي كان يشرف عليه نجيب المشنوق لا رحمه الله. وكانت قوات دوستم تضم أكثر من 40 ألف من المليشيات حسنة التسليح والتدريب. وعرف عن هذا الرجل الدهاء والمكر السياسي الكبير، فلما علم بسقوط بعض المدن في جنوب أفغانستان وأن كابل أوشكت على السقوط بيد حكمتيار اتفق مع مسعود والمجاهدين في الشمال فاسلمهم المدن دون قتال وتحالف معهم ضد النظام الذي سقط عمليًا وفر نجيب ولجأ إلى مبنى الأمم المتحدة وأحضر دوستم قوات مسعود والجمعية الإسلامية خصوم الحزب الإسلامي بطائرات الهليكوبتر وأنزلهم فوق رأس حكمتيار وقواته في كابل وكان هذا فاتحة الحرب الأهلية بين المجاهدين، ومن يومها عمل هو وبقايا الشيوعيين على أن ينضموا للفريقين في أحلاف متناوبة أطالت أمد الحرب الأهلية بين المجاهدين، حتى خسف بهم جميعًا على يد الطالبان ولله الحمد. وبعد أن سيطر الطالبان صارت قوات دوستم عماد قوة أحزاب المعارضة العسكرية إذ كان لديه نحو ثلاثين ألف من المليشيات المنظمة في حين لا تزيد قوات كل من سياف أو حكمتيار عن مرتبة المئات ولا تصل الألفين في أحسن الأحوال لدى مسعود وقامت قوات دوستم في الشتاء قبل الماضي 1996 بأخطر هجوم بالدروع والمشاة على كابل حيث صدتهم قوات الشيخ مولوي جلال الدين حقاني وردتهم على أعقابهم وكبدتهم خسائر فادحة ويكفي أن نعرف من قوتها أن دوستم استخدم في ذلك الهجوم ستمائة دبابة وكان مدعومًا من روسيا التي صرح فيها الجنزال (ليبيد) أن روسيا تدافع عن آسيا الوسطى وبوابتها ممر سالنغ وجبل السراج عند كابل. ومن الثابت حاليًا أنه بعد إفلاس روسيا فإن دوستم يتلقى دعمه من مخزون حلف الناتو وأمريكا في تركيا مباشرة وكان قد فر بأهله إلى نظام أنقرة لما دخل الطالبان مزار شريف عام 1997 وعاد بتكليف دولي ليتابع مقاومة الطالبان وقد تلقى دعمًا من إيران في فترة تحالفه مع الشيعة في مزار شريف ويستقر الآن في أوزبكستان كواحد من أقوى وأهم خيارات النظام الدولي الأمريكي الروسي المتحالف مع دول وسط آسيا وإيران ضد أفغانستان والطالبان. وقد تناقلت وكالات الأنباء مؤخرًا خبر وصول بعض جنرالات جيش الدفاع الإسرائيلي من اليهود ليقدموا له ولمليشياته الخبرة والمساعدة.
وقد وصلت جزء من قوته جوًا إلى قاعدة بغرام مع قوات أخرى من طاجكستان لتدعم إمكانيات مسعود والأحزاب في الهجوم الأخير قبل عشرة أيام على كابل وقد أخزاهم الله في تلك المحاولة وما تزال هذه القوات في مواجهة خطوط الطالبان على جهة كابل، وعمادة العسكري الأساسي الأن في أوزبكستان وطاجكستان ومرتكزه السياسي في تركيا وأحيانًا إيران.
ثانيًا: أحمد شاه مسعود:
وهو من قادة الجهاد في السابق لدى حزب الجمعية الإسلامية التي كان يرأسها برهان الدين رباني. وقد أبرز الإعلام العالمي أنه قاوم الروس في وادي بنجشير الحصين ثم صالحهم في هدنة طويلة حتى آخر أيام الجهاد، واشتهر بعدائه الشديد لحكمتيار وقتاله لقواته في الشمال لعدة سنوات فيما كان قد هادن الروس، كما قد استعمل الشدة والبطش في تصفية جميع خصومه من المجاهدين في الشمال أيام الجهاد. وكان قد حظي بدعاية لا نظير لها من قبل العرب والشيخ عبد الله عزام رحمه الله رحمة واسعة وغفر له أيام الجهاد وكذلك من وكالات الأنباء الغربية لا سيما الفرنسية وسمى في حينها أسد بنجشير إثر مذبحة لبعض قواد الجهاد من جماعة حزب حكمتيار في ولاية تخار وروي أن الإعدام شهده صحافيون ومستشارون فرنسيون عنده وهم يضحكون ويدخنون السجائر. وقد أرسلت إدارة الجهاد العربي في أفغانستان وفدًا من ثلاثين عربيًا للاطلاع على الأمر في الشمال. وعاد الوفد بعد شهور ليدلي غالبيته الساحقة باستثناء اثنين أو ثلاثة بأسوأ شهادة على مسعود، وقد روى لي أحدهم وكان من أصدقائي وهو من بلاد الشام وكان في الوفد، قال: لقد كنا عند رجل لا أحد أشبه منه بكمال أتاتورك. ومع ذلك فقد رد الشيخ عبد الله عزام رحمه الله لأسباب عاطفية عنده من أجل عدم تشويه سمعة الجهاد كل تلك الشهادات وأخذ بشهادة صهره عبد الله أنس الجزائري الذي عرف بالكذب وكان قد رافق مسعود لخمس سنوات وصار صديقه الحميم في الشمال. ومن حينها فترت حدة دعاية الشيخ عبد الله عزام لمسعود وإن كان قد أخطأ في ذلك حينها رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والجهاد خيرًا.