فأفطروا"وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر (1) ."
وهنا تُعَنَّ مسألة، وهي حالة الجهاد من غير سفر، كما إذا حاصر العدو بلدًا مسلما فأهله يقاتلون ويقاومون وهم في عقر دارهم، فهل لهم أن يفطروا إذا كان في الفطر قوة لهم على عدوهم؟.
عرض لذلك المحقق ابن القيم في (الهدي النبوي) ، وذكر في ذلك قولين للعلماء، أصحهما دليلاً: أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه، لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين .. ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر ولأن الله تعالى قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] - والفطر عند اللقاء، من أعظم أسباب القوة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد فسر القوة بالرمي (2) . وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للصحابة لما دنوا من عدوهم:"إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم"وكانت رخصة ثم نزلوا منزلاً آخر فقال:"إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا"
(1) صحيح مسلم في الصوم (2/ 789) ، الحديث [1120] .
(2) روى مسلم [1917] عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول:" {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"