قوله - تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فدل على أن قضاء أيام أخر واجب عليه لا محالة، والجمهور تأولوه بأن المراد: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر. والسنة القولية والعملية والتقريرية تدل عليه، وفيما ذكرناه من الأحاديث ما يكفي (1) .
والسفر بالقطارات والسفن البخارية، والطائرات ونحوها من الوسائل المريحة في عصرنا لا يسقط الرخصة التي جاء بها الشرع، فهي صدقة تصدق الله بها علينا فلا يليق بنا أن نرفضها.
وقد تفلسف بعض الناس، البعيدين عن الفقه، وزعموا أن السفر الآن، غير السفر في الماضي، فلم يعد سيرًا على الأقدام، ولا ركوبًا للجمال، ولا قطعًا للفيافي، فلا مبرر للرخص المرتبة على هذا النوع من السفر.
ونسي هؤلاء أن الأحكام الثابتة - وخصوصًا في أمور العبادات - لا تبطل بالرأي المجرد.
وقد ربطت نصوص الشرع رخصة الإفطار- كغيرها- بأمر ظاهر منضبط، وهو السفر ولم تربطه بالمشقة، لأنها غير ظاهرة ولا منضبطة.
على أن السفر- أيا كانت وسيلته - لا يخلو من نوع مشقة، والإنسان إذا
(1) واستدلوا أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في شأن بعض الصحابة الذين صاموا في السفر:"أولئك العصاة". وأجاب الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليهم وشدد فخالفوا.
واستدلوا كذلك بحديث:"ليس من البر الصوم في السفر".
وأجاب الجمهور بأنه قال ذلك في حق من شق عليه الصوم، حتى كانوا يظللون عليه وإذا قيل: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقد قال الإمام ابن دقيق العيد: ينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين المقامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان -نيل الأوطار 4/ 305 - 307. وانظر: الإحكام شرح عمدة الأحكام