الصفحة 3 من 34

أ - إن الثناء على الحاكم لا يكون بمجرد شجاعة أو فتوح أو عمارة ، ما لم ينضم إليها الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن هناك حكامًا كثيرين كانت لهم من الإصلاحات الدنيوية المجردة ما يعتبرهم الناس من أجله عظماء ، ومع ذلك لم يورد القرآن لهم ذكرًا حسنًا ، بل جاء في القرآن ذم حكام عمروا في الدنيا كثيرًا ولكنهم خربوا أديان الناس وأفسدوا عليهم آخرتهم ، مثل فرعون وهامان والنمرود ونحوهم.

ب - إن التوازن المدهش والخلاب في شخصية ذي القرنين ، سببه إيمانه بالله تعالى واليوم الآخر ، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته ، ولا سلطانه على رحمته ، ولاغناه على تواضعه وأصبح مستحقًا لتأيد الله وعونه ، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة ، وهو تفضل من الله تعالى على عبده الصالح ، فجعل له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار

وكذلك أكرمه: بكثرة الأعوان والجنود وقذف الرعب في قلوب الأعداء وتسهيل السير عليه ، وتعريفه فجاج الأرض ، واستيلائه على برها وبحرها ، وتمكنه بذلك من تملك المشارق والمغارب من الأرض ، فكل هذه الأمور لا تعطى لشخص عادي ، ولا يمكن أن يحققها حاكم بحوله وذكائه مهما بلغا ، إلا أن يكون مؤيدًا من الله ، ذلك التأييد الذي ينصر الله به عباده المؤمنين . ويدل على هذه العناية أيضًا ضمير العظمة في قوله تعالى: (وآتيناه من كل شئ سببًا) أي أمده بكل ما أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقه بسلطانه ، فزوده بعلم منازل الأرض وأعلامها وعرّفه ألسنة الأقوام الذين كان يغزوهم ، فكان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم .

لقد كانت رعاية الله لذي القرنيين عظيمة بسبب إيمانه بالله ، واستعداده لليوم الآخر ؛ ولذلك فتح له باب التوفيق وحقق ما صبى إليه من أهداف وغاية سامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت