ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك وحده بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين والحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت، حتى ما يستطيع الإنجليزي اليوم من عامة الشعب أن يفهم لغة (شكسبير) الذي مات في القرن السابع عشر بينما لا يستطيع الإنجليزي المثقف أن يقرأ ما قبل (شكسبير) مثل (تشوسر) ، ولا يقدر عليه إلا قلة من المتخصصين.
ومثل ذلك الفرنسية والإيطالية وسائر اللغات الأوربية الحديثة.
أما نحن العرب على اختلاف أقدارنا من الثقافة فنقرأ القرآن، ونفهمه إلا قليلًا مما ترجع صعوبته إلى دقة المعاني في أغلب الأحيان، ونقرأ رسائل الجاحظ وأغاني الأصفهاني فلا نكاد نحس فارقًا بين أسلوبها وبين أسلوب بعض المعاصرين.
فلماذا نسعى إلى أن نُفْقِد أنفسنا هذه المزايا التي لم تَفْرِضْ علينا فَقْدَها ضرورةٌ من الضرورات؟
لماذا نحسد أوربا التي ابتليت بذلك على مصابها، ونصنعَ صنيعَ اليهود الذين قالوا لنبيهم حين مروا بقوم من الكفار عاكفين على أصنام لهم يعبدونها: [اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ] الأعراف: 138+ (1) .
12_ أن الخط العربي موافق لطبيعة اللغة العربية: فلو أردنا استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية لتحتَّم علينا إيجاد حروف جديدة نضيفها إلى الأبجدية اللاتينية الحالية؛ لكي تعبر عن الأصوات العربية التي تمثلها حروف (ج ح خ ش ط ظ ص ض ع غ) ولاحتجنا كذلك إلى التمييز بين الحروف المتحركة والممدودة وبين الحروف المقصورة.
13_ أن الخط العربي يمتاز بميزة فذة: فهو قريب مما يسمى بالاختزال؛ فليس بحاجة إلى اختزال؛ لأن طبيعته تغنيه عن ذلك.
14_ أن استبدال الخط اللاتيني بالخط العربي يستتبع نتائج خطيرة: فما مصير الكنوز العظيمة من كتب العلم، والأدب وغيرها من المخطوطات التي لم تنشر بعد، ما مصيرها وهي مكتوبة بالخط العربي؟
(1) _ الاتجاهات الوطنية 2/367_368، وانظر فقه اللغة د. إميل يعقوب ص167_172.