الصفحة 536 من 560

فقد استطاعت العربية البدوية أن تساير الحضارة في بغداد، ولم تنهزم أمام الفارسية أو اليونانية أو التركية، استطاعت أن تسايرها في الأندلس بعد أن فرضت نفسها على البيئة الجديدة، واستطاعت أن تساير ألوانًا من الحضارات في خلال ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر في بيئات متباينة أشد التباين، وصمدت أمام الغارات المدمرة خلال الاحتلال الأجنبي الطويل.

7_ أن قواعد النحو التي يزعمون أنها معقدة استطاعت أن تعيش أكثر من ألف سنة: فهي الوسيلة التي صانت اللغة، وقربت بين اللهجات، وستظل كذلك.

وهي التي أنتج الناس خلالها في مختلف الأمصار العربية وغير العربية ثروة من الكتب العربية التي لا تحصى ولا يزال لها أبلغ الإثر في الإنسانية جمعاء.

8_ خيرية الجيل الذي نشأ على توقير اللغة: فالجيل السابق الذي نشأ على توقير اللغة وقواعدها خير من هذا الجيل الذي لا يزال يتقلب بين مشاريع للتبسيط والتيسير التي قد تحتاج إلى ألف عام لكي تثبت أنها لا تقل عن القواعد التي يقترح الاستغناء عنها، فضلًا عن أن تَفْضُلَها، أو ترجح عليها.

ثم ليسأل العقلاء أنفسهم من بعد: كيف صحت ألسنة المعاصرين الذين يكتبون دعاواهم الفاسدة نفسها بالعربية الفصحى؟

ولو طلب إليهم أن يصوغوها بالعامية ما استطاعوا؛ لأنها غير مؤهلة للتعبير الدقيق، والأسلوب الحكيم المصقول الذي يقرؤه أقل الناس حظًا من الثقافة في الصحف، فلا يغيب عنه منها شيء.

9_ أن الدعوة إلى العامية مدعاة لنسف التراث: فالتراث إنما كتب بالعربية، وتلك الدعوة من أعظم معاول الهدم لذلك التراث العظيم الهائل.

10_ أن الدعوة إلى التقريب بين لهجات العربية باطلة: لأن الدراسات العلمية لا سلطان لها على ألسن عامة الناس؛ لأن الخلاف فيه ظاهرة طبيعية ما دام في حدوده المعتدلة المألوفة التي تميز الأفراد والبلاد والشعوب بعضها من بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت