وهند أتى من دونها النأيُ والبعدُ
فقالوا: فالنأي هو البعد، قالوا: وكذلك قول الآخر إن الحبس هو الإصْرُ.
ونحن نقول: إن في قعد معنىً ليس في جلس، ألا ترى أنا نقول (قام ثم قعد) و (أخذه المقيم والمقْعِدُ) و (قعدت المرأة عن الحيض) ونقول لناس من الخوارج (قَعَدٌ) ثم نقول: (كان مضطجعًا فجلس) فيكون القعود عن قيام، والجلوس عن حالة هي دون الجلوس؛ لأن (الجَلْسَ: المرتفع) فالجلوس ارتفاع عما هو دونه، وعلى هذا يجري الباب كله.
وأما قولهم: إن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء _ فإنا نقول: إنما عبر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول إن اللفظتين مختلفتان، فيلزمنا ما قالوه، وإنما نقول: إن في كل واحدة منهما معنىً ليس في الأخرى+ (1) .
وقال آخرون: إن الترادف واقع، وله فوائد، وهو قول كثير ممن ألف في هذا الباب كابن خالويه، والفيروزبادي، وغيرهم.
والحاصل _ كما قال العلامة _ عز الدين بن جماعة _: =أن من جعلها مترادفة ينظر إلى اتحاد دلالتها على الذات، ومن يمنع ينظر إلى اختصاص بعضها بمزيد معنى فهي تشبه المترادفة في الذات، والمتباينة في الصفات+ (2) .
فإذا قلنا _ على سبيل المثال _: إن الله هو السميع، العليم، البصير، الخالق، الباري، المصور، فهذه الأسماء مترادفة باعتبار دلالتها على ذات واحدة ومسمى واحد هو الله _ عز وجل _ .
وهي متباينة باعتبار أن في السميع معنىً غير المعنى الذي في البصير، وهكذا...
وكذلك أسماء الرسول"الحاشر، والعاقب، وغيرها؛ فهي مترادفة باعتبار أنها دلت على مسمى واحد وهو الرسول".
وهي متباينة لاختلاف معنى الحاشر عن العاقب وهكذا.
وإلى هذا الرأي مال شيخ الإسلام ابن تيمية × في الرسالة التدمرية وغيرها (3) .
رابعًا: أسباب وقوع الترادف: قال السيوطي ×: =قال أهل الأصول: لوقوع الألفاظ المترادفة سببان:
(1) _ الصاحبي ص59_60.
(2) _ المزهر 1/405.
(3) _ التدمرية ص102.