حيث أورد بابًا في الخصائص تحت هذا المسمى، وقال تحته: =هذا غَوْرٌ من العربية لا ينتصف منه، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه، وإن كان غُفلًا مسهوًا عنه+ (1) .
كما أنه أورد أبوابًا قريبة من هذا، وسيرد ذكر لبعضها.
ومما حاول إثباته في كتابه مما يتعلق بغرضنا ستة أمور:
1_ أن العرب كانت تقارب حروف الألفاظ حتى تقاربت معانيها:
قال ابن جني: =ومن ذلك قول الله _تعالى_: [أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا] .
أي: تزعجهم وتقلقهم؛ فهذا من معنى تهزهم هزًا، والهمزة أخت الهاء؛ فتقارَبَ اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة؛ لأنها أقوى من الهاء.
وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك.
ومنه العسف والأسف: والعين أخت الهمزة (2) ، كما أن الأسف يعسف النفس، وينال منها.
والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف؛ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين+ (3) .
2_ أن هذه المقاربة بين الحروف تقع فيها المراعاة حتى في الحروف البعيدة التي لا تتشابه إلا بالتأويل: قال ابن جني ممثلًا لذلك: =ومثله تركيب (ع ل م) في العلامة والعلم.
وقالوا مع ذلك: بيضة عرماء، وقطيع أعرم إذا كان فيهما سواد وبياض، وإذا وقع ذلك بان أحد اللونيين من صاحبه؛ فكان كل واحد منهما علمًا لصاحبه+ (4) .
3_ أن المقاربة قد تكون في الأصل الواحد بالحرفين: وقد مثل له ابن جني بقوله: =وقد تقع المضارعة في الأصل الواحد بالحرفين، نحو قولهم: السحيل، والصهيل. . .
وذاك من (س ح ل) وهذا من (ص هـ ل) والصاد أخت السين كما أن الهاء أخت الحاء.
(1) _ الخصائص 1/499.
(2) _ يعني في المخرج فالعين والهمزة حرفان حلقيان.
(3) _ الخصائص 1/499.
(4) _ الخصائص 1/500.