... قَذَفَ الهجيرُ غصونَها بضِرامِ
ولْنُسْقِ ظامِئها عصيرَ دِرايةٍ ... إذْ كان لا يُسقَى عصيرَ غَمامِ
ما أشبهَ الآمالَ يومَ يخونُها ... عزمٌ بأضغاثٍ مِنْ الأحلامِ
يحلو النضالُ ولا نضالَ ألذُّ مِنْ
... تَنْقَادِ آراءٍ بغير خصامِ
هيَ كالسَّحائبِ هذهِ وَطْفاءُ (1) إنْ
... سَنَحَتْ وتلكَ تمُرُّ مرَّ جَهامِ (2)
والرأيُ يخلصُ بالنِّقاشِ الحرِّ مِنْ
... صَدأِ الخُمولِ ولُبْسَةِ الإبهامِ
وجَآذِرُ الأفكار لا تَرِدُ الحِمى
... ما لم تُسَسْ برَويَّةٍ ونظامِ
أسرار النظام اللغوي (3)
لنظام العربية اللغوي أسرار لطيفة، بديعة، تشبه النظام النفيس من حيث تعلقه بالحكمة التي تضبط عواطف النفس وخطراتها _ كما يقول الرافعي×.
وليس المقصودُ من النظامِ في هذه الفقرةِ الأحكامَ الظاهرةَ كالإعراب، والتصريف، والقواعد اللسانية، وإنما هو أمر آخر سيتضح بعد قليل..
وقد رأى الرافعي أن ذلك النظام في اللغة على ثلاثة أضرب:
1_ نظام الألفاظ بالمعاني.
2_ نظام المعاني بالألفاظ.
3_ النظام المطلق، وهو نظام القرينة، أو الحس النفسي.
ويرى ×: =أن ابن جني أول من ناهض هذا البحث إتقانًا، وتخلى بأمره افتتانًا، وإنما كان العلماء قبله يستروحون إلى أشياء منه عند الضرورة، ويتعللون به؛ وأكثرهم لزومًا لذلك شيخه أبو علي الفارسي+ (4) .
وإليك شيئًا من الإيضاح من ذلك النظام البديع:
أولًا: نظام الألفاظ بالمعاني: والمراد به مقاربة الصيغ اللفظية للمعاني الموضوعة لها.
أو ما يسميه ابن جني (تصاقب(5) الألفاظ لتصاقب المعاني).
(1) _ وطفاء: السحابة الوطفاء: المسترخية لكثرة مائها.
(2) _ جهام: الجهام: السحاب لا ماء فيه.
(3) _ انظر تفاصيل ذلك في المزهر 1/330_342، وتاريخ آداب العرب 1/222_233.
(4) _ تاريخ آداب العرب 1/222_223.
(5) _ تصاقب: تقارب.