وكم ضاهى ابنُ فارس وهو يُوري
... زنادَ الشعر وائلَ أو إيَادا
أتاها العلم يَرْسُفُ (1) في كَسادٍ
... وخَطْبُ العلم أن يلقى كسادا
فألفى من معاجمها عُبابًا (2) ... غَزيرَ النَّبع لا يخشى نَفادا
فأودعها نَفائِسَهُ وأضحى ... شِعار العلمِ إعرابًا وضادا (3)
عَذيري مِنْ زمانٍ ظلَّ يجني
... على الفصحى لِيُرْهِقَها فسادا
حَثا في روضها الزاهي قَتَامًا (4)
... وأنبت بين أزهرها قَتادا (5)
ولولا أن هذا الذكرَ يُتلى ... لردَّ بياضَ غُرتِّها سوادا
أجالتْ طَرْفَها في كل وادٍ ... فلم ترَ في سوى مِصْرٍ مَرادا (6)
فتلك معاهدُ العرفانِ تُدني ... إليهم خيرَ ما يبغون زادا
وهذا مَجْمَعٌ يحمي تِلادا ... ويبني طَارِفا يَحْكي التلادا (7)
كأنَّ عكاظَ عاد بها اشتياقٌ ... إلى الفصحى فكان لها مَعادا
جرى ماءُ الحياة بوجنتيها ... فهنَّأْنا اليراعةَ والمِدادا
وقلنا للمنابر: ذكرينا ... عليًا حين يخطب أو زيادا (8)
فيا لغة النبي سقاك عهدٌ ... من الإصلاح يَنْتَظِمُ البلادا
فما مِنْ حاجةٍ للعلم إلا ... يقيم لها بحكمته سِدادا
يصون هداية الله اعتزازًا ... بها وأضاعها قومٌ عِنادا
(1) _ يرسف: يمشي مشي المقيد.
(2) _ عبابًا: العباب: معظم السيل وارتفاعه وكثرته.
(3) _ خص الشاعر الإعراب والضاد؛ لأن الإعراب هو ميزة اللسان العربي في المركبات، والضاد: ميزة اللسان العربي في المفردات.
(4) _ حثا: رمى، قتاما: القتام: الغبار الأسود.
(5) _ قتادا: القتاد: حجر صلب له شوك كالإبر.
(6) _ مرادا: المراد: مكان رياد الإبل أي: اختلافها في المرعى مقبلة مدبرة.
(7) _ التلاد: المال القديم، طارفًا: الطارف: المال الحديث المستحدث.
(8) _ عليًا: علي بن أبي طالب ÷ زيادًا: زياد بن أبيه، أمير من الدهاة والقادة الفاتحين، ولد في الطائف، وولاه معاوية البصرة، والكوفة، وسائر العراق حتى توفي.