فعفَّى الآخرُ الأولَ، وشُغل القوم _ بعد المغاورات والتجارات، وتطلَّب الأرباح والكدح للمعاش، في حالة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيد والمعاقرة والمياسرة _ بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حكميد، وبالتفقه في دين الله _ عز وجل _ وحفظ سنن رسول الله"مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام."
فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشأوا عليه كأن لم يكن، وحتى تكلموا في دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث وغيرها من علم الشريعة، وتأويل الوحي بما دوُّن وحفظ حتى الآن.
فصاروا _ بعد ما ذكرناه _ إلى أن يُسأل إمام من الأئمة وهو يخطب على منبره عن فريضة فيفتي ويحسُبُ بثلاث كلمات+.
ثم أورد قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _ رضي الله عنه _ حين سئل عن ابنتين وأبوين وامرأة: =صار ثمنها تسعًا+ فسميت (المنبرية) .
إلى أن قال ابن فارس: =وإلى أن يتكلم هو _ يعني علي بن أبي طالب _ وغيره في دقائق العلوم بالمشهور من مسائلهم في الفرض وحده، كالمشتركة، ومسألة المبالهة والغَرَّاء، وأم الفَرُّوخ، وأم الأرامل، ومسألة الامتحان، ومسألة ابن مسعود، والأكدريّة، ومختصرة زيد، والخرقاء، وغيرهما مما هو أغْمَضُ وأدقُّ.
فسبحان من نقل أولئك في الزمن القريب بتوفيقه عما ألفوه، ونشأوا عليه، وغذوا به _ إلى مثل هذا الذي ذكرناه.
وكل ذلك دليل على حق الإيمان، وصحة نبوة نبينا محمد"."
فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق، وأن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق.
ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا.
وكذلك الإسلام والمسلم إنما عرفت منه إسلام الشيء، ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء.
وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغِطاء والسَّتْر، فأما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع.