هناك أسباب ارتقت بها اللغة في صدر الإسلام حتى بلغت أشدها، وأخذت زخرفها، وتكاد ترجع إلى ثلاثة أمور _ كما يقوله العلامة الشيخ محمد الخضر حسين × (1) وهي:
1_ ما جاء به القرآن الحكيم من صور النظم البديع، والتصرف في لسان العرب على وجه يملك العقول؛ فإنه جرى في أسلوبه على منهاج يخالف الأساليب المعتادة للفصحاء قاطبة، وإن لم يخرج عما تقتضيه قوانين اللغة.
ولقد اتفق كبراؤهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه اللائق به، وإن تفاضل الناس في الإحساس بلطف بيانه تفاضلهم بسلامة الذوق، وجودة القريحة.
2_ ما تفجر في أقوال النبي"من ينابيع الفصاحة، وما جاء في حديثه من الرقة والمتانة والإبانة عن الغرض بدون تكلف."
3_ ما أفاضه الإسلام على عقولهم بواسطة القرآن والحديث من العلوم السامية، وبما نتج من تعارف الشعوب والقبائل، والتآم بعضها ببعض _ من الأفكار، ومطارحة الآراء.
ومعلوم أن اتساع العقول، وامتلاءها بالمعارف مما يرقي مداركها، ويزيد في تهذيب ألمعيَّتها؛ فتقذف بالمعاني المبتكرة، وتبرزها في أساليب مستحدثة؛ فإن كثرة المعاني ودقتها تبعث على التفنن في العبارة، والتأنق في سياقها.
وهذا ما سيتضح في الفقرة التالية.
ثالثًا: مظاهر نهوض الإسلام بالعربية:
لقد كان لنزول القرآن الكريم بالعربية تأثير كبير في نهضة هذه اللغة، وقد مر إشارة إلى هذا، ومن مظاهر ذلك زيادة على ما مضى:
(1) _ انظر حياة اللغة العربية ص18_19.