وإلى هذه النظرية يميل كثير من الباحثين المعاصرين، ويرون أنها تساير طبيعة الأشياء التي تبدو بسيطة ثم تنمو وتتطور؛ فاللغة _ من منطلق هذه النظرية _ بدأت تقليدًا لأصوات الطبيعة، وقد يكون المتكلمون استخدموا _ مع ذلك _ التعبيرات والإشارات، ثم استُغني عن ذلك فيما بعد.
واستند هؤلاء _ أيضًا _ إلى لغة الطفل التي تبدأ تقليدًا، ثم تنمو وتستقيم، وأن كثيرًا من الأمم البدائية يستخدمون الإشارات اليدوية، والجسمية للمساعدة في التعبير.
ولقد وجهت نقودٌ واعتراضات على هذه النظرية، ومن ذلك:
1_ أنها تنزل بالإنسان إلى ما هو أقل منه؛ فليس من المعقول _ عند المعترضين _ أن يقلد الإنسان صوت الحيوان والأصوات المسموعة الأخرى.
2_ أن اللغات الراهنة لا تشتمل إلا على قدر ضئيل من الكلمات التي تتضح فيها الصلة بين اللفظ والمعنى.
3_ أن كثيرًا من الأمم البدائية يتكلمون بلغات لا يظهر فيها أثر المحاكاة والتقليد للطبيعة.
النظرية الرابعة: نظرية الغريزة الكلامية: وهي إحدى النظريات الحديثة، وترى أن الإنسان مزود بغريزة خاصة كانت تحمل كل إنسان على التعبير عن كل مُدْرَكٍ حسيٍّ، أو معنوي بكلمة خاصة، ولذا اتحدت المفردات والتعابير عند الإنسان الأول، وأنه بعد نشأة اللغة لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة؛ فانقرضت.
وممن قال بهذه النظرية الفرنسي (رينان) ت1890م، والألماني (مولر) ت1900م، وهما من أشهر علماء اللغة الأوربيين.
وقد وجهت إليهما اعتراضات منها:
1_ أن المعاني الكلية المعنوية تدل على رقي لا يَصْدُقُ معه أن تكون هذه هي اللغة الإنسانية الأولى التي يفترض أن تكون بسيطة؛ فهذه الأصول مرحلة لغوية متقدمة.
2_ أن الغريزة الكلامية لم يعرف كيف استُخدمت أول مرة للتعبير عن حاجة الإنسان، وهذا هو الموضوع الذي تدور حوله المشكلة كلها.