الصفحة 30 من 560

قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا؛ فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمةً ولفظًا إذا ذكر عُرِف به ما مسماه؛ ليمتاز عن غيره، وليُغْنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين+ (1) .

وبعد أن وضَّح ذلك ذكر أن التواضع يمكن أن ينقل إلى لغة أخرى، وجعل ما يشاهد من اختراع الصُنَّاع لآلات صنائعهم من الأسماء: كالنجار، والصائغ، والحائك دليلًا على هذا الرأي.

هذا وقد اعترض على هذه النظرية باعتراضات منها:

1_ أن التواضع يحتاج إلى لغة سابقة يُتفاهم بها.

2_ أنه لا يكون حكماء يتواضعون بدون لغة، فهذه النظرية _ إذًا _ لا تحل المشكلة، ولا تخلو من المآخذ.

3_ أن هذا القول مجرد دعوى تفتقر إلى دليل؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية×: =فلا يمكن لأحد أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا هذه الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع...

فإن ادعى مدعٍ أنه يعلم وضعًا يتقدم ذلك فهو مبطل؛ فإن هذا لم ينقله أحد من الناس+ (2) .

وقال: =وحينئذٍ فمن ادعى وضعًا متقدمًا على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به+ (3) .

النظرية الثالثة: نظرية المحاكاة والتقليد: وتتلخص هذه النظرية بأن نشأة اللغة بدأت محاكاةً للأصوات الطبيعية، وتقليدًا للأصوات المسموعة من الحيوانات والأشجار، وصوت الرعد وغيره.

قال ابن جني ×: =وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.

وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل+ (4) .

(1) _ الخصائص 1/96_97.

(2) _ مجموع الفتاوى 7/62.

(3) _ مجموع الفتاوى 7/65.

(4) _ الخصائص 1/98_99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت