فاختلاف الألسن دلالة على التوقيف.
ومن حججهم رأي عقلي في الرد على القائلين بالاصطلاح والمواضعة وهو أن الاصطلاح يجتاج إلى لغة سابقة، وهم يرون أنه إذا بطل الاصطلاح وجب التوقيف (1) .
ويلحظ أن هذه النظرية تعتمد على النصوص النقلية، كما أنها لا تخلو من اعتراضات، وقد رد عليهم المحتجون بردود منها:
1_ أن نص التوراة يضعف دليلهم، وأنه حجة عليهم لا لهم؛ لأن فيه إشعارًا بأن آدم _ عليه السلام _ هو الذي وضع الأسماء.
2_ أن الآية التي احتج بها علماء المسلمين ليست دليلًا قاطعًا؛ فقداختلف المفسرون في المراد بالأسماء.
وابن فارس نفسُه ساق بعض أقوالهم _ كما مر _.
3_ أنه لو كانت اللغة توقيفية لما جاز لنا أن نُدخل فيها شيئًا، ألا ترى إلى لغتنا العربية اليوم ونحن ندخل فيها من مصطلحات العلوم والفنون الشيء الكثير؟
ألا ترى أننا ننقل دلالات بعض الألفاظ كالسيارة، والدراجة وغيرها؟.
إن حدوث الترادف، والاشتراك، والتضاد في اللغة _ لدليل على أن اللغة ليست كلها توقيفًا من الله _ تعالى _.
وبهذا وغيره يتبين أن الأدلة المُساقة لا تنهض بهذه النظرية، ولا تقوى على الوقوف في وجه الاعتراضات.
النظرية الثانية: نظرية التواضع والاصطلاح، أو يقال: المواضعة:
وتتلخص هذه النظرية في أن اللغة مواضعة واتفاق بين الناس؛ بحيث يصطلحون على كذا وكذا من الألفاظ.
وقد قال بهذه النظرية الفيلسوف اليوناني (ديمو كريت) في القرن الخامس قبل الميلاد، كما مال إليها بعض الفلاسفة الإنجليز.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية × مصورًا هذه النظرية: =أن قومًا اجتمعوا، واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا، وهذا بكذا، ويجعل هذا عامًا في جميع اللغات.
وهذا القول لا نعرف أحدًا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم الجبائي+ (2) .
وقد صور ابن جني هذه النظرية بقوله: =وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة.
(1) _ انظر المزهر 1/8_18.
(2) _ مجموع الفتاوى 7/62.