الصفحة 17 من 22

وقد اختلف في الفرق بينهما ــ أي القضاء والقدر ــ والأظهر أنه لا فرق بينهما [1] .

وللإيمان بالقدر أهمية كبرى بين أركان الإيمان يدركها كل من له إلمام ولو يسير بقضايا العقيدة الإسلامية وأركان الإيمان؛ ولذلك ورد التنصيص في السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره.

وترجع أهمية هذا الركن ومنزلته بين بقية أركان الإيمان إلى عدة أمور:

الأول: ارتباطه مباشرة بالإيمان بالله ــ تعالى ــ.

ولهذا السبب ــ والله أعلم ــ لم يذكر ركن الإيمان بالقدر في كتاب الله تعالى مع بقية أركان الإيمان كما ورد في السنة، لأن الإيمان بالقدر هو إيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته، ومراتب القدر الأربع هي صفات لله تعالى.

الثاني: حين ننظر إلى الكون، ونشأته، وخلق الكائنات فيه، ومنها هذا الإنسان، نجد أن كل ذلك مرتبط بالإيمان بالقدر، فـ"أول ماخلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" [2] .

الثالث: والإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله ــ تعالى ــ على الوجه الصحيح، وهو الاختبار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه ــ تعالى ــ. [3]

وقد وقع المتصوفة في عقيدة القضاء والقدر في انحراف خطير؛ حيث احتج كثير منهم بالقضاء والقدر، فجوزوا فعل كل شيء مقدور عليه وعبادة كل شيء وذلك لاعتقادهم بأن كل شيء، قدره الله وقضاه فقد أحبه، وكل مايقع في هذا الكون بقضاء الله وقدره، ومادام كذلك فلا يوجد منكر في هذا الكون بل كل شيء يقع في هذا الكون فهو محبوب لله مرضي له.

وقد احتج ابن عربي (376) بالقدر في تجويز عبادة العجل، وذلك بناءًا على معتقد الصوفية بأن كل ماقضاه الله وقدره فهو يحبه ولذا لا يجوز إنكاره [4] .

ويذكر عنهم شيخ الإسلام شيئًا من ذلك فيقول: (قال شيخ مشهور منهم كان بالشام: لو قتلت سبعين نبيًا ماكنت مخطئًا فإنه ليس في مشهودهم لله محبوب مرضي مراد إلا مايقع، فما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه،

(1) المرجع السابق: (44) .

(2) رواه أبوداود: (4/ 225) ، والترمذي: (4/ 457) .

(3) القضاء والقدر: (83ـ85) .

(4) فصوص الحكم: (291) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت