أيضًا يحصل لهذا الإنسان من الآفات والأَدْوَاء ما لا يخطر على بال؛ غرور وكِبر وعُجْب بنفسه! كما يقول بعضهم: أنا في مدة وجيزة حصَّلت علم سنين من الكتب، لم يجلس على يد الشيوخ، ثم ماذا؟! هؤلاء تلاشوا انتهوا، أنا أحدّثكم عن سنين يمر بها جُموع من الطلبة العلم، وترى أشياء غرائب وعجائب وآفات، تجد الواحد منهم ربما معجبًا بما حصَّله وحفظه وما درسه وما قرأه، ثم ما يلبث أن يتلاشى ذلك جميعًا، بخلاف مَن كما يقول الشاطبي -رحمه الله-:"ربَّاه الشيوخ"؛ ولهذا كان يقول في كتابه [الموافقات] :"لا أُبيح لأحدٍ أن يقرأه إلا ممن تربَّى على يد الشيوخ".
والعلماء الرَّبانيُّون إنما يتخرَّجون من مجالس العلم، من حِلق العلم، أما الإنسان الذي لا يعرف هذا فلربما يكون له من الأَنَفَة ومن الكِبر ومن الأدواء والأمراض ما لا يُقدِّر قَدْرَه، فإذا جاء طالبٌ يردُّ عليه أثناء الدرس في مدرسة أو في كلية أو نحو ذلك، يردُّ عليه خطأ أو يُصحِّح له وَهْمًا أو نحو ذلك، فلا تسأل عن ضجره وغضبه وحاله وتغيُّره!
على كل حال، ينبغي أن يُراعى هذا الجانب، والإمام أحمد -عليه رحمة- الله يقول:"إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمَعَ مَن العَيْش؟"، وابن جماعة يُحذّر من أن ينظر الإنسان لنفسه بعَيْن الجمال والاستغناء عن المشايخ؛ فإن ذلك عَيْن الجهل وقلة المعرفة، وما يفوتُه أكثر مما حصَّله.