وهكذا ابن الجوزي أيضًا يوصي بالفقه ويقول:"عليه مدار العلوم، فإذا اتَّسع الزمن يأخذ بعد الفقه".
ولكن لو قيل غير هذا، كل إنسان بحسب ميوله؛ لأن الإنسان إنما يُبدع إذا كان عنده رغبة في فن من الفنون، وهذا لا نقوله في العلوم الشرعية فقط، لو جاءنا إنسان وقال: أنا في العلوم الشرعية لا أصلح، أنا لا أفهم، وإذا حضرتُ مجالس العلم إنما أحضر للبركة، لكن في الرياضيات أُبدع فيها، نقول: تخصَّص في الرياضيات ولا تنقطع من مجالس العلم.
وآخر يقول: أنا رغبتي كلها في الطب، وفي العلوم الشرعية رغبتي ضعيفة وفهمي ضعيف، نقول له: ادرس الطب ولكن لا تنقطع من العلم الشرعي، ولكن لا تحلم أحلام اليقظة؛ أنك ستكون عالمًا في العلوم الشرعية، لا يمكن هذا!
وهكذا أيضًا الذين يدرسون في العلوم الشرعية يقولون: في ماذا أتخصص؟ نقول من الخطأ خاصة في الدراسة النظامية الآن في ماجستير أو الدكتوراة، قد يدخل تخصّصًا في مجال لا رغبة له فيه حتى في الجامعة لكن لأنه قُبِل في هذا المجال، هذا لا يُبدع، أو لأن والده أرغمه على ذلك هذا أيضًا لا يُبدع؛ إنما يدخل في المجال الذي يرى أنه يستطيع أن يُبدع فيه، ويجد رغبته فيه، وإذا وُجدت هذه الرغبة فإنها تدفعه دفعًا تلقائيا، تكون عنده رغبة جامحة قوية فيحصّل من العلم، وتكون نفسه مُستشرِفة لمزيد من التحصيل.
لا شك أن لقاء الشيوخ والجلوس بين أيديهم كمال من الكمالات، وذلك كما قال ابن خلدون والخطيب البغدادي والشاطبي بأن الإنسان حينما يذهب ويرحل إلى أهل العلم ويجلس بين أيديهم فإن ذلك يؤثر في سلوكه وأخلاقه وهَدْيِه وسمته ودلِّه وطريقة التعليم، ويَنْفَتِح له بين يدي الشيوخ مِن مَغَاليق العلم ما لا يخطر له على بال، فالمسألة قد يقرأها الإنسان ولا تتبيَّن له، فإذا جلس متواضعًا بين يدي الشيخ فإنه يُفتح عليه -كما يقول الشاطبي- ذلك المُنغَلِق ببركة تلك المجالس.
لا شك أن الجلوس بين يدي الشيوخ هو تربية وتعليم في آنٍ واحد، لأنه يستفيد منهم الهَدْي والدَّلَّ والسَّمْت وطريقة التعليم، ويستفيد منهم العلم، ويأخذ العلم من أفواههم شيئًا فشيئًا حتى تحصل له المَلَكة والدُّرْبَة، والطَّبعُ لِصٌّ، كما قيل:"الطبع سرَّاق"؛ الإنسان يتأثر بمن يراهم ويشاهدهم، فكيف بمن يتلقَّى عنهم العلم؟!
ولذلك تجد الإنسان حينما يتلقَّى عن أحد فإنه يتأثر به، ولذلك يقال: ينبغي للإنسان أن يتخيَّر الشيوخ الذين يتلقَّى عنهم العلم.
وأما إذا كان الإنسان يتلقَّى من الكتب -كما هو مشاهد- فإنه يحفظ بتَصْحِيْفٍ وتَحْرِيف، ولربما لا يفهم كثيرًا من المسائل على وجهها الصَّحيح، وكذلك