بها الأمر والنهي؛ فإذا قصد بها غير ذلك؛ كانت بفرض القاصد وسائل لما قصد لا مقاصد، إذ لم يقصد بها قصد الشارع؛ فتكون مقصودة بل قصد قصدًا آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له فصار ما هو عند الشارع مقصود وسيلة عنده وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع وهدم لما بناه وهو بذلك أيضًا مستهزاء بآيات الله لأن من آياته أحكامه التي شرعها" [1] ."
3 -أن الحيل فيها مناقضة لسد الذرائع على اعتبار أن الشارع الحكيم، يسد الطرق الموصلة إلى الحرام بكل ممكن، والمحتال يفتح تلك الطرق بكل وسيلة ممكنة، وعليه فإن منع الحيل يكون من باب أولى إذ أن الشارع لما سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام؛ هو مانع لكل ما يوصل إلى الحرام من وسائل" [2] ."
فالمانعون للحيل -ومنهم الشاطبي- يمنعون ما كان فيه مخالفة أو وسيلة لهدم أو تعطيل حكم تكليفي، وتحدث المانعون أن سد الذرائع أولى ما تكون في الحيل، وعليه فالمانعون ينظرون للحيل الممنوعة أنها ما كانت مذمومة، لما فيها من مقصد للخروج عن أمر الله تعالى، ووجدت أن المجيزين للحيل متفقون مع المانعين في أن الحيل التي تهدم أصلا في الدين هي مذمومة شرعًا ولا يجوز العمل بها، وإنما اختلفوا في معنى الحيل ما بين من جعلها وسيلة للفرار من الحق، وبين من جعلها مقصدًا للوصول بها للحق.
وبعد أن عرضت أدلة المانعين للحيل، ولكلّ من الفريقين أدلتهم، أنوّه أن الحيل التي نتناولها في هذا البحث هي الحيل الشرعية الجائزة، والتي تكون مخرجًا من الحرج، والتي تأخذ بيد المخالف لتدخله دائرة المشروعات، وهذا لا يتنافى مع باب سد الذرائع بل أرى أن تيسير ما تعسّر على المرء ضمن مقاصد التشريع هو مركب النجاة يصل إلى الالتزام بالتشريع، فلا يُخالف أمر الله، ولا يُرتكب محظور، ويعود بالإنسان إلى الصواب.
(1) (الشاطبي، مصدر سابق، (2/ 334 - 335 (
(2) بحيري, كشف النقاب عن موقع الحيل من الكتاب والسنة , مطبعة السعادة , (1974 م) .