الثالث: عدم النقل، إذ لم يرد إلينا في الكتب المصنفة في فتاوى الصحابة شيئًا يدلّ أو يشير أنهم كانوا يقولون بالحيل أو يفتون بها، إلا ما ورد عن بعضهم من المعاريض القولية أو الفعلية, وليس هذا من قبيل الحيل التي هي محل حديثنا [1] .مما سبق أجد أن الصحابة أفتو بتحريم الحيل من خلال الإنكار كحادثة المحلل والمحلل له كما جاء في فعل عمر رضي الله عنه، فالفتوى كانت من خلال الإنكار، وأيضا لم يرد عنهم ولم ينقل أنهم أفتوا بالعمل بالحيل بل كانوا يمنعون الأخذ بها.
رابعًا: دليلهم من المعقول:
1 -الشريعة وضعت لتحصيل مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم على نحو لا يختل معه انتظامها، ومن هنا كان على المكلف أن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع الحكيم؛ تحقيقًا لمعنى العبودية من جهة؛ وتحقيقًا للمصالح المرجوة من جهة أخرى، والمتحايل قد جعل مقصد الشارع مهملًا، وما أهمله الشارع معتبرًا، وذلك فيه مضادة للشريعة ومناقضة واضحة، و إن كل ما يفضي إلى تلك المضادة يكون باطلًا وعليه فإن الحيل أمر باطل [2] .
وكما ذكرنا سابقًا من قول الشاطبي:"كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل" [3] .
2 -أن الله تعالى فرض الفرائض، وحرم المحرمات تحقيقًا لمصالح العباد ودرءًا للمفاسد عنهم، و احتيال الإنسان لأجل إسقاط التكاليف، أو للوصول إلى محرم بفعل موافق للشرع ظاهرًا، ومخالف له في الباطن يكون من قبيل العبث بمقاصد الشريعة [4] ، قال الشاطبي:"المكلف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع"
(1) (ابن القيم، اعلام الموقعين ,(3/ 173 - 174) .
(2) الشاطبي، الموافقات, (2/ 331) .
(3) (المصدر السابق،) 2/ 333).
(4) ابن القيم، مصدر سابق،) 3/ 180 - 181).