الأمر الثاني: قوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) ، فانه يدل عرفًا على أن النهي المتوجه ليس تكليفيًا فقط بل هو نهي عن معاملة السفيه، ولكن لا فائدة في توجه النهي الى السفيه في المعاملة التي يجريها، فتحوّل النهي عن المعاملة الى الولي في دفع مال اليتيم اليه، فالاية تفيد الدلالة على التحريم وفساد معاملة السفيه معًا. هذا إن لم نقل بارتكاز بطلان معاملة نفس السفيه الذي لا ردع عنه.
أما المذهول والمدهوش والغافل: فهي عوارض تعتري الانسان فتنقص حسن التقدير فتجعل الانسان يقبل على التصرفات دون أن يهتدي الى الربح أو الفائدة، أو تجعله يقبل فاحش الغبن في تصرفاته أو إنه ينخدع بأيسر الوسائل على وجه يتهدد ما له بخطر الضياع.
أو نقول: بان هذه العناوين هي امتداد لحالة السفه في الانسان عرفًا فما لم تزل لايزول السفه من الانسان، وعلى كل حال فهذه الامور تخلّ بالاهلية ويكون صاحبها محجورًا عليه في التصرفات.
وأما الجنون فهو أحد النواقص في الانسان الذي يرفع الأهليّة فتصرفاته باطلة لارتكاز بطلان معاملاته مع عدم الردع، وأيضًا للاولوية من السفيه، فان السفيه قد يكون قابلا للتمييز قاصدًا للمعاملة إلاّ أن تمييزه وقصده ناقص أي أن قدرته على التمييز الكامل مفقودة، بينما المجنون فانه فاقد التمييز والقصد والارادة فيكون عمله بلا قصد ولا ارادة فيكون باطلا.
اتفق فقهاء الفقه الاسلامي على وجوب دفع مال المحجور عليه إذا بلغ ورشد ودليلهم في ذلك الآية الكريمة (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [1] .
ولأن الحجر على الانسان إنما يكون لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظًا لماله عليه، وبالبلوغ والرشد يكون الانسان قادرًا على التصرف ويحفظ ماله فيزول الحجر عنه لزوال سببه.
ولايعتبر في زوال الحجر عن الصبي حكم الحاكم إذا رشد وبلغ، وبهذا قال الإمام الشافعي وخالف في ذلك الإمام مالك إذ قال: لايزول الحجر عن الصبي إلاّ بحكم الحاكم وهو قول بعض اصحاب الشافعي، لأنه موضع اجتهاد ونظر فانه يحتاج في
(1) النساء: 6.