و يظهر من تتبع حركة التأليف في القواعد أن فقهاء الشافعية ثم الحنابلة ثم المالكية قد تابعوا الحنفية في ذلك ثم انتقلت إلى علماء الشيعة بهذا الترتيب التاريخي.
القاعدة في اللغة هي أساس البيت و نحوه و منه قوله تعالى: (و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت و إسماعيل) .
و في اصطلاح النحاة هي الضابط لمعنى الحكم المنطبق على جميع جزئياته كقولهم: الفاعل مرفوع و المفعول به منصوب أما في اصطلاح الفقهاء فالقاعدة هي: حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته.
و يمثّل لذلك بقول العلماء الأمور بمقاصدها و قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يقوم الدليل على خلافه.
فالقواعد الفقهية هي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاما ً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعاتها.
فهي تمتاز بمزيد الإيجاز في صياغتها على عموم معناها و سعة استيعابه للفروع الجزئية و تصاغ القاعدة بكلمتين أو ببضع كلمات محكمة من ألفاظ العموم.
و هذه القواعد الفقهية هي كما قلنا أحكام أغلبية غير مستمرة دائما ً وذلك لأنها تصور الفكرة الفقهية المبدئية التي تعبر عن المنهاج القياسي العام في حلول القضايا و ترتيب أحكامها و القياس كثيرا ً ما يتخلف و ينخرم و يعدل عنه في بعض المسائل إلى حلول استحسانية استثنائية لمقتضيات خاصة بتلك المسائل التي تجعل الحكم الاستثنائي فيها أحسن وأقرب إلى مقاصد الشريعة لتحقيق العدالة وجب المصالح ودرء المفاسد ورفع الحرج ولأجل ذلك كانت القواعد الفقهية قلما تخلو أحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة هي أليق بالتخريج على قاعدة أخرى، أو أنها تستدعي أحكاما استحسانية خاصة، وإلى هذا المعنى أشار بعض المالكية بقوله:"من المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية".
ولذلك لم تسوغ ولم تجز مجلة الأحكام العدلية أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد على شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص آخر خاص أو عام يشمل بعمومه الحادثة المقضي فيها لأن تلك القواعد الكلية على ما لها من قيمة واعتبار هي كثيرة المستثنيات فهي دساتير للتفقه لا نصوص للقضاء.
إن هذه القواعد العظيمة هي التي تصور جوامع المسائل تصويرًا رائعًا وكذلك تضبط الفروع والأحكام بضوابط تبين في كل زمرة من هذه الفروع وحدة المناط وجهة الارتباط برابطة تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها.
ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعًا مشتتة قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها في الأفكار وتبرز فيها العلل الجامعة وتعين اتجاهاتها التشريعية وتمهد بينها طريق المقابسة والمجانسة.