الأول الأشاعرة و بعض المعتزلة: فإنهم يقولون أفعال الله غير معللة بمصالح العباد وخلاصة أدلتهم في ذلك ما يلي:
أنه تعالى إذا فعل شيئا ً فإما أن يكون هذا الفعل لغرض أو لغير غرض و كون هذا الفعل لغير غرض باطل لأنه يلزم منه العبث و تعالى الله عن ذلك علوا ً كبيرا.
أما أن يفعل ربنا لغرض فإنه يلزم منه أن الله كان ناقصا ً قبل هذا الغرض و قد استكمل نقصه بهذا الغرض و هذا محال على الله تعالى.
و أيضا ً يلزم من احتمال الفعل ما يلي:
1 -أن يكون الفعل أولى من عدمه فإن فعل فلا بد من الغرض و الغرض باطل.
2 -أن يكون العدم أولى من الفعل فإن فعل فيلزم منه العبث و ذلك محال على الله.
3 -أن يستوي الفعل و العدم فإن فعل فإنه يكون ترجيحا ً من غير مرجح وذلك مستحيل على الله تعالى.
فالنتيجة عندهم أن أفعال الله غير معللة بمصالح العباد.
الثاني: جمهور أهل السنة غير الأشاعرة: فهم يرون أن أفعال الله غير معللة بمصالح العباد و دليلهم في ذلك من القرآن قوله تعالى: (ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) و ما إلى ذلك من الآيات.
كما أنهم ذهبوا في مناقشة الأشاعرة و بعض المعتزلة إلى أن الله إن فعل لغرض فلا يلزم منه النقص قبل ذلك الغرض و أنه تعالى استكمل نفسه بفعل ذلك الغرض وذلك لأن هذا الغرض هو مصلحة العبد فلماذا يكون الله تعالى ناقصا ً طالما أن الغرض هو مصلحة تعود على العبد؟
هذا من جهة كما أنهم لم يسلموا أن يستوي من ناحية أخرى جانب الفعل و العدم و عندئذ ٍ إذا فعل فيكون ترجيحا ً من غير مرجح و لماذا لا تكون مصلحة العبد مرجحا ً للفعل على العدم؟
و هكذا فثبت لديهم أن أفعال الله معللة بمصالح العباد و لكن من غير إيجاب و هو الراجح و بناء على هذا الرأي ذهب جمهور أهل السنة في تعريف العلة إلى أنها: الباعث للشارع على تشريع الحكم من غير إيجاب. لأن أصل العلة هي المصلحة.
قد مر معنا أن القواعد الفقهية الكلّية في التشريع الإسلامي لم توضع كلها جملة واحدة كما توضع النصوص القانونية في وقت معين على أيدي أناس معلومين بل تكونت مفاهيمها و صيغت نصوصها بالتدرج في عصور ازدهار الفقه و نهضته على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج و الترجيح استنباطا ً من دلالات النصوص التشريعية العامة و مبادئ أصول الفقه و علل الأحكام و المسلمات العقلية.