هذا ولا يعرف لكل قاعدة صائغ معين من الفقهاء إلا ما كان منها نص حديث نبوي كقاعدة لا ضرر و لا ضرار أو ما اُثر عن بعض أئمة المذاهب و كبار أتباعهم من عبارات جرت بعد ذلك مجرى القواعد كقول أبي يوسف في كتاب الخراج ليس للإمام أن يخرج شيئا ً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف.
أما معظم تلك القواعد فقد اكتسبت صياغتها الأخيرة المأثورة عن طريق التداول و التحرير على أيدي الفقهاء الكبار من كل المذاهب في مجال التعليل و الاستدلال فقد كانت تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية ومسالك الاستدلال القياسي عليها أعظم مصدر لتقعيد هذه القواعد و إحكام صياغتها بعد استقرار المذاهب الفقهية الكبرى و انصراف كبار أتباعها إلى تحريرها و ترتيب أصولها و أدلتها.
و الظاهر أن المذهب الحنفي و هو أقدم المذاهب الأربعة قد كانت الطبقات العليا من فقهائه أسبق إلى صياغة تلك المبادئ الفقهية الكلية في صيغ قواعد و الاحتجاج بها و عنه نقل رجال المذاهب الأخرى ما شاؤا منها.
و قد كانت هذه القواعد تسمى أصولا ً كما قال القرافي فكثيرا ً ما نرى شراح المذاهب في تعليلات الأحكام و نرى المؤلفين في القواعد يقولون: من أصول أبي حنيفة أن الأصل عند أبي حنيفة كذا و كذا ويذكرون بعض هذه القواعد كما يرى في كتاب تأسيس النظر للدبوسي و قواعد الكرخي.
و لعل أقدم خبر يروى عن جمع القواعد الكلية في المذهب الحنفي مصوغة بصيغتها الفقهية المأثورة ما رواه العلاّمة ابن نجيم الحنفي في كتابه الأشباه و النظائر من أن الإمام أبا طاهر الدباس و هو من أهل القرنين الثالث و الرابع للهجرة قد جمع أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة وقد كان أبو طاهر ضريرا ً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد خروج الناس منه و قد ذكر ابن نجيم أن أبا سعيد الهروي الشافعي قد رحل إلى أبي طاهر و نقل عنه بعض هذه القواعد ومن جملتها القواعد الخمس التي تعتبر أمهات القواعد ومباني الأحكام الشرعية من نصية و اجتهادية و هي: 1 - الأمور بمقاصدها 2 - الضرر يُزال 3 - العادة محكمة 4 - اليقين لا يزول بالشك 5 - المشقة تجلب التيسير.
و أقدم مجموعة من هذه القواعد الكلية وصلت إلينا في شكل رسالة خاصة هي أقوال الإمام أبي الحسن الكرخي وقد شرحها و أوضحها بالأمثلة الإمام أبو حفص عمر النسفي الحنفي.
و الظاهر أن الكرخي قد أخذ القواعد التي جمعها أبو طاهر الدباس و أضاف إليها فقد جاءت مجموعة الكرخي بسبع و ثلاثين قاعدة بينما علمنا فيما قبل بالنسبة لما رواه ابن نجيم أن القواعد التي جمعها الإمام الدباس كانت سبع عشرة.
ويرى الناظر في قواعد الإمام الكرخي هذه أن بعضا ً منها ليس من قبيل القواعد بالمعنى الذي حددناه للقاعدة و إنما هو من قبيل الأفكار التوجيهية لرجال المذهب في تعليل المسائل كقول الكرخي مثلا ً فيها: (الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح أو على التأويل من جهة التوفيق) . ونستخلص من ذلك أن هذه القواعد و هي مفاهيم ومبادئ فقهية كبرى ضابطة لموضوعاتها قد بدأت حركة تقعيدها و تدوينها أواخر القرن الثالث الهجري و أن معانيها الفقهية كانت مقررة لدى الأئمة المجتهدين و هي تعتبر أصولا ً علمية لهم يقيسون بها و يبنون عليها و يعللون بها و إن كانت لم تفرد بالتدوين قبل ذلك.