و من هنا نجد أن المقاصد كصلة العبد بالله من فرضية الصلاة و ما إلى ذلك هي من حقيقتها نتائج من حيث الظاهر لمقدمتين اثنتين هما: الدليل و الحكم فالدليل بمنزلة المقدمة الصغرى و الحكم بمنزلة المقدمة الكبرى و النتيجة هي المقاصد فالمقاصد هي الغايات إذا ً.
و كذلك الشأن في إيتاء الزكاة فالدليل هو قوله تعالى: (و آتوا الزكاة) و الحكم فرضية الزكاة و المقصد و المصلحة هو التكافل الاجتماعي العملي و نفي الفقر و الحاجة من المجتمع المسلم.
و كذلك جميع الأدلة و الأحكام من حيث إنها تنتج غايات و مقاصد شرعية من أجلها شرع الله شريعته و رسالة الإسلام.
وهنا يجب علينا أن نقف وقفة ضرورية تتجلى فيما يلي: طالما أن الله جعل المقاصد غاية للأدلة و الأحكام فإذا ً يفهم من هذا أن المقاصد - باعتبار ما و أنها مصالح للعباد - هي سبب الشريعة كلها. وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها من خلال هذه الدراسة.
وبيان ذلك أن الله تعالى لا يفعل شيئا ً ابتداء إلى لمصلحة العباد و من هنا قال صدر الشريعة: (أفعال الله معللة بمصالح العباد ومن أنكر هذا فقط أنكر النبوة وذلك لأن النبوة هي أعظم مصلحة للإنسان لأنها سبب في موته على الايمان وبذلك ينجو في الدنيا و الآخرة.
فهذه المصلحة هي من أعظم مقاصد الشارع سبحانه و تعالى و لأجلها شرع كثيرا ً من الأحكام. و من كان صاحب نظر و عقل فإنه يتبين لديه في هذا المقام أن السبب متقدم على المسبب و المقدمة متقدمة على النتيجة إذن فالحقيقة أن كون المصالح قبل الأدلة و الأحكام في منظور الحقيقة الواقعة هو التحقيق في المسألة.
و لكن لما خفي هذا المعنى على كثير من الباحثين كان لا بد من اعتباره معدوما ً أولا ً ثم بالدليل المنطقي الذي تقدم ذكره يصبح موجودا ً ظاهرا ً فقط مراعاة للبرهان الشرعي المنطقي.
و كما أننا نعلم أن العالم حادث وليس قديما ً و لكن عند عدم التسليم بهذه الحقيقة نقدم و نؤخر و نغير فنقول لأجل صحة الاستدلال العالم متغير: مقدمة صغرى، و كل متغير حادث: مقدمة كبرى فالعالم حادث هي النتيجة.
مع أننا لو حققنا في هذه النتيجة فإننا سنجدها موجودة قبل مقدماتها من حيث الوجود و العدم و لكن القضية قضية استدلال.
و من هنا نلمس قيمة المقاصد و أنها روح الشريعة و جوهرها و أن أي حكم أو دليل لا يحصل من خلاله تحققها فهو باطل لا يلتفت إليه.
اختلف العلماء فيما بينهم في إثبات المصالح كمقاصد للشارع على أكثر من وجه و خلاصة هذه الوجوه في فريقين اثنين: