و لم تأخذ الصياغة التي انتهت إليها فيما بعد إلا بالصقل و التحرير و هي غير أصول الفقه التي هي علم يقرر الطريقة العلمية في تفسير النصوص و فهمها والاستنباط منها ثم جاء الامام الدبوسي الحنفي فوضع كتابه تأسيس النظر و ضمنه طائفة هامة من الضوابط الفقهية الخاصة بموضوع معين و من القواعد الكلية مع التفريغ عليها ثم جاء أخيرا ً العلاّمة زين العابدين إبراهيم بن نجيم المصري سنة تسعمائة وسبعين للهجرة فجمع في الفن الأول من كتاب الأشباه والنظائر خمسا ً و عشرين قاعدة و صنفها إلى نوعين:
النوع الأول قواعد أساسية كالأركان في المذاهب الفقهية و هي ست قواعد: الخمسة المتقدمة مضافا ً إليها سادسة و هي لا ثواب إلا بالنّية.
النوع الثاني تسع عشرة قاعدة أخرى و أحكام كثيرة و قد بسط ابن نجيم القول فيما يتفرع عن هذه القواعد من فروع الأحكام العملية.
ثم في منتصف القرن الثاني عشر جاء فقيه الحنفية التركي محمد أبو سعيد الخادمي صاحب الحاشية على كتاب الدرر شرح الغرر فوضع متنا ً في أصول الفقه سماه مجامع الحقائق و ختمه بخاتمة جمع فيها مجموعة كبيرة من القواعد الفقهية الكلية عرضها بنصوص دونما شرح و رتبها على حروف المعجم بحسب الحروف الأول من أول كل كلمة فبلغت أربع وخمسين و مائة قاعدة و قد جاء فيها بضع قواعد من قبيل الأصول التوجيهية لرجال المذاهب في تعليل المسائل كالتي جاءت في قواعد الكرخي و بعضها متداخل و باقيها كله قواعد فقهية ذات أحكام عامة دستورية أخذ فيها الخادمي معظم ما جمعه ابن نجيم في الأشباه و النظائر و أضاف إليه ثم جاءت مجلة الأحكام العدلية تحمل في صدرها مجموعة كبيرة من هذه القواعد مختارة من أهم ما جمعه ابن نجيم و الخادمي مضافا ً إليه بعض قواعد أخرى فبلغت تسعا ً تسعين قاعدة في تسع و تسعين مادة تبتدئ من المادة (2) إلى المادة (100) استهلت بها أحكام المجلة بعد المادة الأولى التي تضمنت تعريف الفقه وتقسيم مباحثه.
و بعد المجلة قام العلاّمة السيد الشيخ محمود حمزة الحمزاوي مفتي دمشق في عهد السلطان عبد الحميد باستقصاء القواعد و الضوابط في معظم الأبواب الفقهية مما وراء قواعد المجلة و قد جمعها في كتاب أسماه (الفرائد البهية في القواعد الفقهية) و أوضحها ببعض الأمثلة و رتبها على أبواب الفقه فكان آخر و أوسع ما جمع باسم القواعد و الأصول الفقهية فيما نعلم و هو ينثر بين القواعد أحكاما ً أساسية يسميها الفوائد و هو مطبوع بدمشق سنة 1928 م و لكن القواعد الكلية بمعناها الذي يجب أن يكون و كالتي جاءت في المجلة قليلة جدا ً فيه و أكثر ما جاء فيه تحت عناوين القواعد هو في حقيقته ضوابط جزئية أو أحكام أساسية في موضوعات خاصة من أبواب الفقه ثم طبع بعد ذلك كتاب القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا في مجلدين ثم جاء بعد ذلك العلاّمة علي الندوي الذي ألف كتاب القواعد الفقهية.
و آخر ما اُلف في القواعد في وقتنا الراهن فيما نعلم هو كتاب العلاّمة الدكتور محمد الزحيلي تحت عنوان: (القواعد الفقهية تحليلا ً ودراسة) في مجلد كبير ضخم ألفه لجامعة الكويت أو الشارقة في الخليج و هو أعظم كتاب رأيته في قواعد الفقه و أدق كتاب و أيسره فيما أعلم.
هذا مجمل حركة تقعيد القواعد الفقهية ثم جمعها في المذهب الحنفي.