وجه الاستدلال: الماء المصبوب قليل لم يبلغ القلَّتين، ومع ذلك طهَّر الأرض، فلو أنَّ الماء القليل ينجس بملاقاته النَّجاسة ما صح التطهير به، وللزم قدر قلتين لتطهير الأرض.
وأجيب بأن هناك فرق بين ورود النَّجاسة على الماء، وورود الماء على النَّجاسة، فالنَّجاسة إذا وردت على الماء نجَّسته، وإذا ورد عليها طهرها.
قال النووي:"وذلك في حديثَيْن، أحدهما: حديث:"إذا استيقظ أحدكم" [1] ، فمنع صلَّى الله عليه وسلَّم من إيراد اليد على الماء، وأمر بإيراده عليها، ففرَّق بينهما" [2] .
قال ابن دقيق العيد عن حديث:"باتت يده":"اُسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: الْفَرْقُ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ. وَأَمَرَ بِغَسْلِهَا بِإِفْرَاغِ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِلتَّطْهِيرِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي: أَنَّ مُلَاقَاتَهَا لِلْمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّطْهِيرِ" [3] .
المذهب الثَّالث: الفاصل بين القليل والكثير أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حُرِّك من أحد طرفيه لم تصل الحركة إلى الطرف الآخر. وهو مذهب الحنفيَّة [4] .
(1) تقدم تخريجه: (43) .
(2) المجموع: (1/ 168) .
(3) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: (1/ 21) .
(4) ينظر: المبسوط: (1/ 70) ، وشرح فتح القدير: (1/ 79) .