الصفحة 5 من 27

بأيدي الملائكة، فلا يَمَسُّ هذا الكتاب إلا الملائكة الكرام الذين طهرهم الله من الآفات والذنوب , فالقرآن محفوظ من الشياطين فلا تمسه ولا تقربه، ولا من غير الشياطين من سائر الخلق أجمعين. و هذا القرآن تنزيل من رب العالمين، نزله من الكتاب المكنون، وَلاَ يَنْزِلُ بِهِ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ مِنَ المَلاَئِكَةِ، ولو سلم عدم دلالة السياق على أن الضمير عائد على الكتاب المكنون ففى دلالته على القرآن الذى بأيدى الناس احتمال، وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال فبقى الحكم على البراءة الأصلية وإن قالوا إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لاينبغي أن يمسها إلا طاهر، وقالوا يمكن الاستدلال بالآية بقياس بني آدم على الملائكة [1] أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية من باب التنبيه والإشارة؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من هذه الآية [2] . ... فنقول لهم هذا قياس مع الفارق؛ لأن هذا قياس عالم الشهادة علي عالم الغيب فالملائكة ليسوا كالبشر فلا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينامون، ولا يتزوجون، والله قد طهرهم من الآفات والذنوب، وقولهم قوله {فاطهروا} فدل على أن المحدث ليس بطاهر، وإلا لكان ذلك أمرًا بتطهير الطاهر غير مسلم، فالطاهر من المشتركات اللفظية، يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينة، فالطاهر يطلق على المؤمن كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة من الآية 28] وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: (( المؤمن لا ينجس ) ) [متفق عليه] ،ويطلق على الطاهر من الحدث الأكبر كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة من الآية 6] ، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر قوله - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الخفين: (( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ) ) [متفق عليه] ويطلق أيضًا على من ليس على بدنه نجاسة للإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية، ولا حكمية يسمى طاهرًا، ولما كان إطلاق اسم النجس على

(1) - انظر: كشاف القناع 1/ 134 مطبعة أنصار السنة المحمدية 1366 هـ/1947 م.

(2) - التبيان في أقسام القرآن 1/ 402 تحقيق محمد زهري النجار الناشر: المؤسسة السعيدية للطبع والنشر القاهرة: مطابع الدجوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت