قولنا بعدم إيجاب الوضوء لمس المصحف فإنا نقول بفضيلة الطهارة لمس المصحف؛ من باب تعظيم القرآن وتكريمه، فإن الله - عز وجل - وصف القرآن بأنه كريم، فالأليق بتعظيمه وتكريمه الطهارة لمسه، وليس هذا على الوجوب بل الاستحباب.
أخى القارئ بترجيح قول من جوز مس المصحف بلا طهارة فيجوز مس الحائض والجنب القرآن إذا سلم من وجود نص صحيح صريح خاص به، وقد توهم البعض ثبوت الإجماع على حرمة مس الحائض والجنب القرآن، وقالوا بأن المخالف هو داود الظاهرى، وخلاف الواحد لايخرق الإجماع، واستند بعضهم لقول النووى رحمه الله في المجموع: والمختار عند الاصوليين أن داود لا يعتد به في الإجماع والخلاف [1] ، واستند بعضهم لقول ابن قدامة: وَلَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ يَعْنِي طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا. رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ إلَّا دَاوُد فَإِنَّهُ أَبَاحَ مَسَّهُ [2] ،واستند بعضهم أيضًا لقول الشوكانى: وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَرَ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُد [3] ، وقال بعضهم قول داود شاذ، فقد قال صاحب مواهب الجليل في مس الحائض المصحف: عَدَّهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْخَامِسُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ شَاذٌّ فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ [4] وهذه مسألة خلافية ليس فيها إجماع فقد اختلف العلماء في مس الحائض والجنب القرآن فجل العلماء يقولون بعدم الجواز، وخالف في ذلك داود الظاهري [5] وتابعه على القول به أهل الظاهر [6]
(1) - المجموع 3/ 357
(2) - المغنى لابن قدامة 1/ 256
(3) - نيل الأوطار 2/ 26
(4) - مواهب الجليل شرح الخليل 3/ 134 فصل في بيان حكم الحيض والنفاس
(5) - الإفصاح عن معاني الصحاح ليحيى بن محمد بن هبيرة 1/ 76 الرياض: المؤسسة السعودية؛ المغني، /147، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي، ص 21 عني بطبعه: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، قطر: مطابع قطر الوطنية، 1401 هـ /1981 م.
؛ نيل الأوطار 1/ 260، موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي 2/ 878، سعدي أبو جيب، بيروت: دار العربية للطباعة والنشر.
(6) - المحلى 1/ 77 دار الآفاق الجديدة بيروت تحقيق دارإحياء التراث العربى