الصفحة 4 من 27

الشياطين، ولا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه واستراقه،،وهو المذكور في قوله: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} سورة عبس؛ أى هَذِهِ الصُّحُفُ تَتَنَزَّلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ بِوَاسِطَةِ سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ، وهُمُ المَلاَئِكَةُ المُطَهَّرُونَ، لِيَقُومَ الأَنْبِيَاءُ بِإِبْلاَغِهَا إِلَى النَّاسِ، ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} فهذا خبر يدل على أنه بأيديهم يمسونه؛ ولأن المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر، فدل على أن الله - عز وجل - لم يعن بالمصحف المذكور في الآية هذا الذي بأيدي الناس، وإنما عني كتابًا آخر، وهو الذي في السماء [1] ، فخبر الله لا يكون خلافه، ويدل عليه أيضًا أن مرجع الضمير للأقرب، والأقرب هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة، ويشعر بهذا سياق الآيات الكريمة: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} ،ويدل عليه أيضًا أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين، وأن محله لا يصلون إليه فيستحيل على الشياطين أن يمسوه كما في قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} ،وكما في قوله تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} ،ويدل على أن المقصود الكتاب الذى بأيدى الملائكة أيضًا قوله تعالى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} [سورة الصافات آية 49] ،ويدل على أن المقصود الكتاب الذى بأيدى الملائكة أيضًا أن الآية جاءت بصيغة الخبر فلا يجوز صرفها للمجاز، وهو أنها نهى في صورة الخبر إلا بدليل، ويدل على أن المقصود الكتاب الذى بأيدى الملائكة أيضًا أن الله قال {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} ،وليس إلا المتطهرون، ولو أريد به منع المحدث من مسه لقيل إلا المتطهرون كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة 222] والمتطهر فاعل التطهير، والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون فخلاصة الكلام أن الضمير يعود على الكتاب الذى بأيدى الملائكة، والمراد بقوله: {الْمُطَهَّرُونَ} الملائكة، وليسوا بني آدم؛ كما هو قول جمهور السلف من الصحابة ومن بعدهم، وعلى هذا يكون معنى الآيات: إن هذا القرآن في كتاب مَصُون مستور عن أعين الخلق , وهو الكتاب الذي

(1) - انظر: المحلى لابن حزم 1/ 83، بداية المجتهد 1/ 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت