غيرهم [1] ، و لقوله تعالى: {فاطهروا} فدل على أن المحدث ليس بطاهر، وإلا لكان ذلك أمرًا بتطهير الطاهر، وذلك غير جائز، وإذا لم يكن طاهرًا لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون} ،فالمراد بالمطهرين؛ المطهرون من الأحداث والأنجاس من بني آدم. والآية وإن كان لفظها لفظ الخبر، إلا أنه خبر تضمن نهيًا [2] . فهو نظير قوله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة من الآية 233] فإنه خبر تضمن نهيًا، فدل ذلك على اشتراط الطهارة لمس المصحف [3] ، والمس مع الطهارة يدل على التعظيم، والمس بغير طهارة يدل على الإهانة، وذلك لأن الأضداد ينبغي أن تقابل بالأضداد فنقول: إن من لا يمس المصحف لا يكون مكرمًا، ولا مهينًا، وبترك المس خرج عن الضدين ففي المس عن الطهر التعظيم، وفي المس على الحدث الإهانة فلا تجوز و قوله سبحانه: {تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} بعد قوله سبحانه: {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} فيه دلالة ظاهرة على إرادة المصحف الذي بأيدي الناس.
مناقشة الدليل الأول:
قولهم بأن المراد بقوله تعالى {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} أى لايمس القرآن إلا المطهرون، والآية خبر تضمن نهيًا ليس بصواب فالآية على صورة الخبر، وليست على صورة النهى، والأصل في الكلام صرفه على ظاهره، فلا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن، ولم يثبت شيء من ذلك، و القول بأن {لا يمسه} نهي قول فيه ضعف، و ذلك أنه إذا كان خبرًا فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: {تنزيل} : صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء معنى أجنبيًا معترضًا بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام، ذكره ابن عطية في تفسيره، وقولهم بأن المقصود بقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ} أى القرآن الكريم خلاف ظاهر الآية، فالظاهر أن مرجع الضمير هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله،،والمراد بذلك أنه مستور عن
(1) - انظر: الذخيرة للقرافي 1/ 238، تحقيق: محمد بوخبزه، بيروت: دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى عام 1994 م. .
(2) - انظر: تفسير البغوي 5/ 301، تفسير ابن كثير 4/ 299؛ بداية المجتهد لابن رشد 1/ 30 راجعه وصححه: عبد الحليم محمد عبد الحليم، عبد الرحمن حسن محمود، القاهرة: مطبعة حسان ..
؛ مغني المحتاج للخطيب الشربينى 7/ 37؛ كشاف القناع، 1/ 134.
(3) - انظر: المجموع شرح المهذب للنووى 2/ 79